"خريف ظفار".. حقيقة السوق ووهم الانطباع

 

 

خالد بن سالم الغساني

لم يتبقَ كثيرٌ على موسم ظفار الجميل؛ ففي كل عام ومع اقتراب رذاذ الموسم، وقرب عودة الطبيعة إلى الحياة، يلتصق بتلك العودة، الرواية المألوفة، التي تتكرر كل مرة بصيغٍ مختلفة وأكثر صخبًا، ويردد مروّجوها الشعارات العريضة: "الأسعار مُبالَغ فيها"، و"الاستغلال بلغ ذروته"، أين حماية المُستهلك؟ "تدخلوا فورًا". وفي لحظة، ينقلب المشهد من لوحة خضراء إلى منصة اتهام، وتتحول تجربة سياحية موسمية إلى قضية عامة تُوجه بلغة طلب النجدة "وونّانات" الطوارئ. وتتلقف السردية وينفخ فيها حتى تتحول إلى عرصة مزايدات وسوق جمعة!!

لا أحد ينكر وجود تجاوزات، ولا يمكن الدفاع عن مبالغة في التسعير تستند فقط إلى الزحام. هذه حالات تستحق الرقابة والضبط، وهذا حق لا جدال فيه. لكن ما يحدث في المقابل هو شيء مختلف تمامًا، يتمثل في تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والانطباع إلى حقيقة، وتجربة فردية إلى حكم شامل على مدينة كاملة. فحين يتحول ارتفاع سعر "الكرك" ليصبح 200 بيسة ويرتفع سعر شقة نتيجة لمعادلة العرض والطلب، إلى عنوان لموسم بأكمله، حينها نكون لا نناقش ظاهرة، بقدر ما نبحث عن رواية سهلة الانتشار، وجاذبة للمزايدة والتداول.

المشكلة لا تقف عند الأسعار بقدر ما تقف عند الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الواقع. وسائل التواصل تعيد ترتيب الحالات وتكيّفها بطريقتها، وتضخّمها، بحيث تدفع بالأكثر دهشة وإثارة إلى الواجهة، وتترك ما عداها في الظل. ليتكون انطباع عام يصعب تفكيكه، وتبدأ المناداة: صلالة “باهظة”، الموسم “مخيّب”، والتجربة “لا تستحق”، إلى آخره من هذه التعابير المتكررة والمملة.

كل ذلك يحدث كنتيجة مباشرة لآلية تضخيم لا تفرّق بين حالة فردية واتجاه عام، وهي بعيدة كل البعد عن ما يحدث في الواقع.

ثم تأتي المقارنات التي تبدو للوهلة الأولى مُقنعة، لكنها عند التدقيق أقرب إلى الانتقاء المريح منها إلى الحُجّة؛ فنادق أربع وخمس نجوم في مدن بعيدة شهيرة تُستدعى بأسعار متدنية من دون سياق ومن دون توقيت، ومن دون اعتبار لمعرفة الناس، ودون اعتبار لاختلاف الموسم أو الموقع أو طبيعة الطلب. وهي في كل تلك الأحوال مخالفة للحقيقة، ومخالفة لما هو واقع فعلًا. تُقارن ذروة موسم قصيرة ومكتظة بعروض خارج الموسم في وجهات أخرى، ثم يُطلب من الواقع أن ينسجم مع هذه الصورة المختارة بعناية. إنها توقعات تُبنى على أسس هشة، وليست مقارنات.

والخلط الأكبر يظهر حين يُعامل السفر إلى صلالة في الخريف وكأنه حقٌ مُلزم يجب أن يُتاح للجميع بالشروط نفسها. والحقيقة أن السياحة، في كل مكان، تجربة اختيارية تخضع لقواعد واضحة، تتمثل في عرض محدود، وطلب مرتفع، ونافذة زمنية قصيرة. وهذه هي طبيعة السوق. يمكن ضبط التجاوز، ويمكن حماية المستهلك من الغبن، لكن لا يمكن إلغاء القاعدة ذاتها دون أن نفقد معنى السوق بالكامل.

من يعرف صلالة جيدًا يدرك أن الخريف ليس صورة واحدة تُلتقط في لحظة، إنها تجربة ممتدة تتبدل ملامحها يومًا بعد يوم. يومٌ مشمسٌ لا يعني نهاية الموسم، كما أن موجة غير مستمرة، لا تعني خللًا يستدعي الإنذار. لكن في بيئة تبحث عن الإثارة، تتحول هذه التفاصيل الطبيعية إلى إشارات مضللة، تُقرأ خارج سياقها، وتُستخدم لتغذية رواية جاهزة.

المشكلة إذن ليست في المطالبة بالعدالة، بل في المطالبة بالمستحيل. ليست في النقد، بل في تحويله إلى خطاب عاطفي يختزل الواقع ويضغط عليه ليوافق توقعات مسبقة. حين يُقال إن “هناك من لا يستطيع تحمّل التكاليف”، فهذه حقيقة لا جدال فيها، لكنها لا تعني أن على السوق أن يُعاد تشكيله ليتسع للجميع في وقت واحد وبالشروط نفسها. البدائل موجودة دائمًا، توقيت مختلف، خيارات أقل كلفة، أو حتى إعادة التفكير في التجربة ذاتها.

صلالة ليست بلا أخطاء، لكنها أيضًا ليست الصورة المشوهة التي تُرسم لها. والسوق ليس مثاليًا، لكنه ليس خصمًا أخلاقيًا يجب كسره. وبين هذين الطرفين، تضيع الحقيقة في ضجيج موسمي يتكرر كل عام، ويترك أثرًا يتجاوز لحظة الكتابة إلى صورة وجهة كاملة.

أسعار موسم الخريف في ظفار وفي صلالة خاصةً، ليست هي المشكلة، المشكلة في الطريقة التي نراها بها ونقارنها بها، بعينٍ لا تبحث عن فهم متوازن، ومقارناتٍ لا تستقيم مع الواقع، وافراد في وسائل التواصل صدقوا انهم مؤثرين، وظلوا يبحثون عما يجلب إليهم المتابعين بأي شكل وأي صورة وثمن.

الأكثر قراءة

z