علي بن حبيب اللواتي
المأزق الإنساني الحالي في مياه الخليج ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مباشرة لتراكم التصعيد منذ عدة شهور وتطوراته المتلاحقة. بعد فترة من توقف النيران، بدأت آثار هذا التصعيد تظهر بوضوح مع تكدس عشرات السفن التجارية عند مضيق هرمز.
فلم يعد الصراع حبيس البيانات السياسية، بل قد نزل إلى سطح الماء ليمس حياة بحارة لا ذنب لهم سوى أن سفنهم علقت في قلب الصراع.
فمنذ أكثر من شهرين، والمضيق في حالة شبه إغلاق تام، مما أدى إلى معاناة أطقم السفن العالقة من نقص حاد في الغذاء والماء والوقود، وبعضهم يعاني أمراضًا مزمنة ويحتاج أدوية كما نُشر.
السؤال الدقيق الآن: هل يمكن فصل الإنسانية عن السياسة؟ وهل يملك العالم شجاعة وضع البحارة قبل الحسابات الاستراتيجية للأطراف؟
المضيق تمر عبره شحنات خُمس نفط العالم، وما يقارب 30% من الغاز المسال، وإن استمرار إغلاقه يهدد اقتصاد الجميع من الشرق إلى الغرب. إن تلك السفن العالقة ليست عسكرية، بل هي تجارية، وأغلب أطقمها من دول آسيا وأفريقيا وأوروبا لا علاقة لهم بالنزاع. وتقارير الملاحة رصدت عبور 9 سفن فقط منذ إطلاق "مشروع الحرية" مؤخرًا، وسط تحذيرات بأن أي تدخل أجنبي يعتبر انتهاكًا لوقف إطلاق النار.
وقد دقت الأمم المتحدة عبر المنظمة البحرية الدولية ناقوس الخطر قبل أسابيع، فقد صرح الأمين العام للمنظمة بأن السفن تحولت إلى أوراق ضغط في النزاعات الجيوسياسية، ودعا إلى حماية البحارة، لكن بيانه اكتفى بالقلق، وعليه، لم يصدر مجلس الأمن قرارًا، وبقي العمل الميداني من طرف واحد.
وهنا تكمن المعضلة: فالعمل المنفرد يزيد التوتر، والصمت الدولي يكلف أرواحًا؛ حيث إن العمل المنفرد مهما كانت دوافعه المعلنة إنسانية، فإنه قد يُفسر كتدخل في سيادة طرف آخر، وتكون نتيجته مواجهة كلامية وتصعيد.
أما البيانات الأممية فهي مهمة لكن غير كافية طالما هي بدون آلية ميدانية محددة، فتبقى مجرد حبر على ورق؛ فبيانات 30 دولة في 19 مارس 2026 أدانت الإغلاق لكنها لم تتبعها بخطوة عملية؛ ليصبح الانتظار مع كل يوم تأخير يزيد من خطر الكارثة الإنسانية، وكذلك البيئية لو تسرب الوقود للمياه أو انهارت السفن لأي سبب كان. وكذلك الخسارة الاقتصادية ستتفاقم مع ارتفاع أسعار الشحن والتأمين.
لهذا نرى أن الخروج من المأزق لا يكون عبر دولة واحدة، بل عبر مجموعة دول لها مصلحة مباشرة؛ فالدول التي تستورد معظم نفطها عبر هرمز، والدول التي يعتمد اقتصادها على تصدير النفط عبره، والدول التي يعاني مواطنوها من ارتفاع أسعار الطاقة، كلها تملك دافعًا مشتركًا للتحرك لحل الأزمة الإنسانية. فجميع الدول المتضررة يمكنها توفير الإمكانيات لتسهيل حملة الأمين العام الدولية لإنقاذ الأطقم المحاصرة.
فلو اجتمعت هذه الدول وأصدرت بيانًا مشتركًا تطلب فيه: ممرًا إنسانيًا بإشراف دولي لمدة 60 يومًا لإنقاذ الأطقم وإخراج السفن، وضمانات متبادلة من أطراف النزاع بعدم استهداف السفن أثناء العبور، مع تعيين مراقبين محايدين، ودور وسيط لسلطنة عُمان بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة لتنسيق العملية، نظرًا لخبرتهم السابقة في الوساطة.
إن هذا التحالف قد يفك ذريعة التدخل الأجنبي؛ حيث لا طرف يستطيع رفضه لأنه يدعي العمل لأسباب إنسانية، ولا طرف آخر يستطيع رفضه من دون أن يظهر كمعرقل أمام العالم، حتى القوى الكبرى غالبًا ستلتزم الصمت أو تدعم المبادرة، لأنها أيضًا تتضرر من أي إغلاق طويل.
وهنا يأتي دور الأمين العام للأمم المتحدة؛ فهو يملك المادة 99 من الميثاق الأممي التي تسمح له برفع الأمر لمجلس الأمن عند وجود تهديد للسلم الدولي، ولا يحتاج ضوءًا أخضر من أي عاصمة ليرفع صوته عاليًا.
وتاريخ الأمم المتحدة يثبت أن المبادرات الإنسانية تنجح حتى في أسوأ الظروف.
وأوضح مثال على ذلك هو اتفاق الحبوب في البحر الأسود عام 2022. في ذلك الوقت تسببت الحرب في أوكرانيا بحجز ملايين الأطنان من القمح الأوكراني، وهددت بأزمة غذاء عالمية. فنجحت الأمم المتحدة مع تركيا في إبرام اتفاق بين طرفي النزاع لإنشاء ممر بحري آمن بإشراف مركز تنسيق مشترك في إسطنبول. وقد استمر الاتفاق سنة كاملة وساهم في تصدير أكثر من 30 مليون طن من الحبوب، وأثبت أن الفصل بين الجانب الإنساني والجانب العسكري ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية.
ومع ذلك، اكتفى الأمين العام حتى الآن بإصدار بيانات قلق عبر المنظمة البحرية. لكنه لو صاغ المبادرة حول السفن الواقفة في مضيق هرمز بنفس المنطق، كنداء إنساني لا سياسي، فإنه سيحرج كل الأطراف للتحرك لإيجاد حل عملي للأزمة.
وحتى لو فشلت محاولته، سيكون قد سجل موقفًا تاريخيًا؛ حيث وضع الإنسان فوق السياسة، والدول المتضررة ستسهم في تمويل تنفيذ الحلول، علمًا بأنه قد سبق وأن نجحت تلك الدول في تسيير وساطات مع أطراف النزاع، ولديها علاقات مع الجميع، ولو قادت هذه الدول مبادرة مشتركة، سيكون لها وزن كبير، لأن الضرر المباشر يعطيها مصداقية أمام المجتمع الدولي، ومصلحة مباشرة في إنهاء الأزمة.
إن أزمة السفن في الخليج تختبر ضمير العالم؛ فهي تقرر إما أن نترك البحارة ضحية حسابات القوة، أو نعطيهم الأولوية ولو لمرة واحدة.
وعليه، فإن مجموعة الدول المتضررة هي المفتاح الرئيسي، فصوتها الجماعي قد يكون المخرج الذي يحفظ ماء وجه الجميع ويمنع حربًا لا يريدها أحد.
ومثلما تمكنت الأمم المتحدة في إنجاح مبادرة الحبوب بالاشتراك مع دولة وسيطة، فإن العالم يثق في جهودها بالتنسيق المباشر مع سلطنة عُمان لحل هذه الأزمة الإنسانية، ونجاح هذه المبادرة قد يكون عاملًا قويًا لتخفيف التوتر بين أطراف النزاع وإعادة الأمل في الحلول الدبلوماسية.
إنها دعوة لتحرك أممي جاد مع وسيط محايد، فلتكن حلحلة المأساة الإنسانية فاتحة لباب حلحلة جذور الأزمة برمتها.
