علي بن حبيب اللواتي
شهدت موانئ السلطنة في الأشهر الماضية، ولا تزال، ضغطًا استثنائيًا بسبب تعطل عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز؛ فتحول جزء كبير منها إلى الموانئ العُمانية في صحار، وصلالة، الدقم وغيرها.
لكن المشهد على الأرض كشف وجود خطأ إستراتيجي كبير؛ حيث إن عددًا من تلك الشاحنات التي تنقل هذه البضائع إلى العواصم الخليجية يمتلكها ويقودها مستثمرون أجانب. وقد استفادوا من بطاقة المستثمر فسجلوا الشاحنات باسم مؤسساتهم، فضاعت فرصة دخل مجزية كان من المفترض أن تكون من نصيب المواطن العُماني الباحث عن عمل أو إدارة مشروع مستقل.
نقل البضائع من الموانئ العُمانية إلى الخليج مهنة مربحة بامتياز، ولن يتوقف الطلب عليها حتى بعد انتهاء الأزمة؛ فمشاريع قطاع النفط والغاز، وبناء مدينة السلطان هيثم، وكذلك المشاريع العمرانية الضخمة في كل المحافظات هي مستمرة، وستضمن استمرار الحاجة لأسطول نقل وطني لسنوات قادمة.
السؤال الآن ليس هل نستطيع تعمين قطاع النقل اللوجستي؟ بل: "كيف نجعل هذا القطاع بيد أبناء الوطن بآلية واقعية قابلة للتطبيق؟
لماذا يجب تعمين هذا القطاع الآن؟ لإن العوائد المالية في هذا القطاع ممتازة ومستدامة، فسائق القاطرة والمقطورة على خط الخليج يحقق دخلًا شهريًا يتفوق على كثير من الوظائف المكتبية.
ومع توسع الموانئ والمشاريع الوطنية، تحولت هذه المهنة من وظيفة إلى مشروع تجاري قائم بذاته.
كما أن الاستمرار في الاعتماد على سائقين أجانب في نقل البضائع من الموانئ يمثل ثغرة واضحة في أوقات الأزمات المتكررة، وعليه فإن وجود أسطول وطني مدرب يعني مرونة وسيطرة أكبر على خطوط النقل البري، ويضمن أمنًا لوجستيًا وطنيًا لا يمكن تجاهله لما له من نتائج.
والأهم أن الطلب على النقل لن يتوقف حتى مع عودة حركة الملاحة في المضيق. فقطاع النفط والغاز وحده يحتاج لآلاف الرحلات سنويًا، فضلًا عن مشاريع البناء والتطوير في كل محافظات السلطنة. والطلب مستمر والفرص متاحة، لكنها تضيع ما لم نتحرك بجدية لتعمين القطاع بكفاءة.
ما العقبة الحقيقية؟
العقبة الأساسية ليست في الرغبة أو الطلب، بل في قيمة الشاحنة. فسعر الجديدة مرتفع جدًا، وهو رقم يعجز عنه أي شاب، حتى مع توفير قرض له بفائدة صفرية. والحل بالتأكيد لا يكمن في أن تشتري الحكومة أسطولًا، ولا في أن نطلب من الشاب دفعة أولى لا يملكها.
الآلية الواقعية تبدأ من قاعدة بسيطة: "العقد قبل الشاحنة"؛ حيث يتقدم الشاب لميناء صحار أو صلالة أو الدقم أو لشركات النفط والغاز، ويحصل على خطاب نوايا بعقد نقل سنوي، وهذا الخطاب يذهب إلى بنك التنمية العُماني أو أي جهة تمويل رسمية. البنك يمول 100% من قيمة الشاحنة، جديدة كانت أو مستخدمة بحالة جيدة، بدون دفعة أولى، ويسدد القسط الشهري من دخل العقد نفسه مباشرة للبنك، فهنا تنعدم المخاطرة لأن العقد مضمون والدخل ثابت. بهذه الطريقة نزيل العقبة المالية من الأساس، فلا دفعة أولى تثقل كاهل الشاب، ولا كلفة على خزينة الدولة بشراء أسطول.
ويمكن للجمعية العُمانية للوجستيات أن تلعب دورًا رائدًا في إنجاح هذه الرؤية؛ فهي مسجلة رسميًا منذ عام 2018 كجهة غير حكومية غير ربحية، ومن أهدافها الأساسية تطوير الكفاءات الوطنية ودعم المؤسسات الصغيرة في القطاع اللوجستي.
ويمكن أن تقوم الجمعية بأدوار محورية:
1. تنظيم طرق التأهيل للشباب قبل الحصول على التمويل.
2. مراجعة عقود النقل والتأكد من جديتها قبل تقديمها للبنوك.
3. أن تكون حلقة الوصل بين الشباب والبنوك والموانئ.
4. التفاوض نيابة عن المشغلين الشباب للحصول على أسعار صيانة وقطع غيار مخفضة لأعضائها، مما يقلل كلفة التشغيل بنسبة تصل إلى 20% تقريبًا.
على أن تخضع معايير الجمعية للاعتماد والإشراف من وزارة النقل لضمان الشفافية ومنع الاحتكار.
وقبل منح التمويل، يجب أن يمر الشاب بمرحلتين أساسيتين:
1- دورة ضبط وانضباط لترسيخ الالتزام بالمواعيد ومهام العمل، وتحمل المسؤولية، والعمل تحت الضغط.
2- تدريب احترافي على القيادة الآمنة والصيانة.
هذا التأهيل المزدوج سيضمن أننا لا نُخرِّج مجرد سائقين محترفين، بل نبني أصحاب مشاريع مسؤولين قادرين على إدارة الأصول والحفاظ عليها والاستمرار رغم تقلب الظروف.
لماذا هذا النموذج أسهل وأكثر واقعية؟
النموذج التقليدي يطلب من الشاب دفعة أولية لا يملكها، ويجبره على شراء شاحنة جديدة مرتفعة السعر. أما النموذج المقترح فيلغي هذه العوائق: فلا دفعة أولية لأن التمويل بضمان العقد، ولا إجبار على شراء شاحنة جديدة لأنه يسمح بشراء شاحنة "نص عمر" فتنحل مشكلة الكلفة.
وهناك نقاط قوة إضافية لضمان النجاح الرؤية:
- ربط التمويل بالتشغيل الفعلي، بأن يتضمن العقد شرط "السائق المواطن المعتمد من الجمعية"، بهذا الإجراء نمنع تأجير الشاحنة لأجنبي وضياع هدف التعمين المطلوب.
- إنشاء سجل وطني للناقلين العُمانيين لدى وزارة النقل، ويُدار هذا السجل من وزارة النقل لضمان الاعتماد الرسمي والربط بالتراخيص والمخالفات، وتتولى الجمعية تأهيل الشباب ورفع أسمائهم للوزارة لإضافتهم للسجل، وهذا الإجراء سيضمن الشفافية ويمنع تشغيل الشاحنات لغير العُمانيين.
- حافز ضريبي مؤقت: إعفاء دخل الشاب المشغل للشاحنة من أي ضرائب مستقبلية على دخل النقل لمدة 5 سنوات من بداية التشغيل، ليعطيه دفعة قوية في البداية.
- الاستفادة من الشاحنات المستعملة: كثير من شركات النقل الكبرى في الخليج تعتمد دورة استبدال تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، مما يخلق سوق شاحنات مستعملة وهي بحالة ممتازة كونها تحت صيانة الوكالة، وعليه، فإن استيرادها سيوفر على الشاب ويقلل كلفة التمويل.
- الارتباط برؤية عُمان 2040: المقترح يتماشى مع محور "الاقتصاد المتنوع والمستدام" و"توطين الوظائف"، مما يسهل تبنيه رسميًا.
- التدريب الدوري على السلامة: إلزام الشاب بحضور دورة سلامة سنوية عبر الجمعية لتقليل الحوادث وتحسين سمعة الناقل العُماني.
كل المشاريع قد تصاب بالمخاطر، ولضمان استدامة المشروع، يقترح إنشاء صندوق ضمان مشترك بين البنك والجمعية ووزارة النقل، ففي حال تعثر الشاب أو انسحاب الشركة من العقد، سيتولى الصندوق إدارة الأصل وإعادة تشغيله بسائق بديل معتمد، مما يحمي البنك حيث تستمر دفعاته المالية بانتظام، والمحافظة على استمرارية المشروع بيد مواطن، ويمنع تسرب المشروع ليد أجنبية تديره.
الفكرة أصبحت واضحة وواقعية، فالشاب لا يدفع ريالًا مقدمًا، والحكومة لا تتحمل كلفة الشراء، والبنك ضامن لأمواله من خلال عقد التشغيل الرسمي، والجمعية تلعب دور المحرك لتسهيل التنفيذ، ومديرية التدريب العسكري تؤهلهم فنيًا ومعنويًا.
إن الفشل ليس في غياب الفرصة، بل في غياب الآلية للتنفيذ، والآن قد باتت واضحة.
والسؤال الأخير لم يعد كيف نمول الشاب؟ بل أصبح: لماذا نؤخر تمكينه في قطاع هو الأقدر على إدارته؟
