كيف تدير سلطنة عُمان التهدئة بين واشنطن وطهران على إيقاع مضيق هرمز؟
د. علي موسى الكناني **
في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيدا وتوترا؛ حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات العسكرية، وتتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط استراتيجية، تبرز سلطنة عُمان بوصفها فاعلا هادئا يعمل على تقليل حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، خصوصا في ظل التهديدات المتكررة المرتبطة بأمن مضيق هرمز. هذا الدور لا يقوم على استعراض سياسي أو تحالفات صلبة، بل على إدارة دقيقة للتوازنات، واستثمار طويل الأمد في الثقة المتبادلة مع أطراف متناقضة.
منذ سنوات، بَنَتْ مسقط سياستها الخارجية على قاعدة واضحة مفادها أن البقاء خارج الاستقطاب يمنحها قدرة أكبر على التأثير داخله. وفي سياق التوتر بين واشنطن وطهران، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحا، إذ تتحرك السلطنة في مساحة ضيقة لكنها فعالة، تحاول من خلالها منع الانزلاق من التصعيد السياسي إلى المواجهة العسكرية، خاصة في منطقة حساسة مثل مضيق هرمز الذي يمثل شريانا حيويا للطاقة العالمية.
في إدارة هذا الدور، تعتمد مسقط على ما يمكن وصفه بدبلوماسية الظل؛ حيث لا تعلن معظم تحركاتها، لكنها تترك أثرا ملموسا في تخفيف التوتر. فعندما ترتفع حدة الخطاب بين الولايات المتحدة وإيران، تتحرك القنوات الخلفية التي تديرها مسقط لنقل الرسائل، وتوضيح النوايا، وتقليل احتمالات سوء التقدير. هذه القنوات لا تهدف إلى تحقيق اختراقات كبرى بقدر ما تسعى إلى منع الانفجار، وهي مهمة غالبا ما تكون أكثر أهمية في المراحل الحرجة.
ولا تقتصر جهود السلطنة على تبادل الرسائل، بل تمتد إلى محاولة ضبط السلوك الميداني في محيط مضيق هرمز. فالموقع الجغرافي لعُمان يجعلها شريكا مباشرا في أمن هذا الممر، ما يدفعها إلى تكثيف التواصل مع طهران لتفادي أي احتكاك قد يتطور إلى مواجهة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على تنسيق غير مباشر مع واشنطن لضمان استمرار حرية الملاحة. هذا التوازن بين طرفين متنافسين يتطلب حساسية عالية، خاصة في ظل بيئة يغلب عليها انعدام الثقة.
العلاقة العُمانية مع الولايات المتحدة تقوم على شراكة استراتيجية في مجالات الأمن والدفاع، لكنها تبقى مضبوطة بسقف سياسي يمنع تحويل الأراضي العُمانية إلى منصة صراع مباشر. في المقابل، تحافظ مسقط على علاقة مستقرة مع إيران، قائمة على الحوار وعدم التصعيد، وهو ما يمنحها قدرة نادرة على التواصل مع الطرفين دون أن تُصنف كحليف كامل لأي منهما. هذه الازدواجية المدروسة ليست تناقضا بقدر ما هي أداة لإدارة التوازن.
وفي أوقات الذروة، تلجأ السلطنة إلى استضافة لقاءات غير معلنة أو شبه رسمية، تتيح للطرفين مناقشة ملفات حساسة بعيدا عن الضغوط الإعلامية والسياسية. هذه اللقاءات لا تُنتج دائما اتفاقات فورية، لكنها تساهم في بناء حد أدنى من التفاهم، وتفتح المجال أمام خطوات تدريجية نحو التهدئة. كما تلعب مسقط دورا في تسهيل مبادرات إنسانية، مثل الإفراج عن محتجزين أو ترتيب تفاهمات جزئية، وهي خطوات تُستخدم كإشارات إيجابية تعيد بعض الثقة إلى العلاقة المتوترة.
في البُعد الاقتصادي، تدرك عُمان أن أي تصعيد في مضيق هرمز ستكون له تداعيات تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي، لذلك تعمل على إبقاء هذا الممر خارج دائرة الصراع قدر الإمكان. ومن خلال علاقاتها المتوازنة مع قوى دولية مختلفة، تحاول دعم بيئة دولية ضاغطة باتجاه التهدئة، بما يحد من احتمالات اتخاذ قرارات متسرعة قد تؤدي إلى إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه.
ورغم كل هذه الأدوات، لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجه هذا الدور. فالتصعيد المتسارع، أو وقوع حادث عسكري غير محسوب، قد يتجاوز قدرة أي وسيط على الاحتواء، بما في ذلك عُمان. كما أن الضغوط السياسية من بعض الأطراف قد تدفع نحو مواقف أكثر حدة، ما يضع مسقط أمام اختبار صعب بين الحفاظ على توازنها أو الانحياز تحت الضغط.
مع ذلك، تستمر سلطنة عُمان في تبني نهجها القائم على إدارة الأزمات بدلا من حلها جذريا، وهو نهج قد يبدو محدود الطموح، لكنه واقعي في بيئة شديدة التعقيد. فهي لا تقدم نفسها كصاحبة حلول نهائية، بل كضامن لعدم الانهيار الكامل، وكقناة تبقي الحوار ممكنا حتى في أكثر اللحظات توترا بين الولايات المتحدة وإيران.
في المحصلة، تمثل مسقط نموذجًا لدور إقليمي يعتمد على الهدوء والمرونة والقدرة على التحرك في المساحات الرمادية. وبينما تنشغل القوى الكبرى بإدارة الصراع أو تعظيم مكاسبها، تعمل عُمان على هدف أقل صخبا لكنه بالغ الأهمية، وهو منع تحول التوتر في مضيق هرمز إلى شرارة مواجهة شاملة قد تعيد رسم خرائط المنطقة بأكملها.
** باحث استراتيجي، ومتخصص في الأمن السيبراني
