حين يُختزل الإنسان في رقم.. سلبيات التقييم الكمي

 

 

 

 

أ. د. حيدر بن أحمد اللواتي **

 

النظام القائم على التقييم الكمي، هو ذلك النظام الذي يعتمد على قياس الأداء أو السلوك باستخدام أرقام واضحة ومحددة، مثل الدرجات، النقاط، أو النسب المئوية، بهدف تقييم الأفراد بشكل موضوعي وموحد، وتحديد مكافآتهم وعلاواتهم وترقياتهم، هذا النوع من التقييم يركز على الجوانب القابلة للقياس الكمي، محاولًا تحويل كل جانب من جوانب الأداء إلى رقم يمكن جمعه وتحليله بسهولة.

ويُعزى انتشار هذا النظام إلى النجاح الكبير الذي حققته علوم الطبيعة بعد إدخال البعد الرياضي الكمي فيها؛ حيث أصبحت العمليات والظواهر قابلة للقياس الدقيق والتنبؤ، وهذا النجاح شجّع البعض على محاولة نقل هذا المنهج الكمي إلى العلوم النفسية والاجتماعية، رغم وجود فروق كبيرة بين طبيعة هذه العلوم وعلوم الطبيعة، خاصة أن الأولى تتعامل مع سلوكيات وتجارب إنسانية معقدة يصعب اختزالها في أرقام فقط، ومما زاد السعي نحو التقييم الكمي الضغط الكبير الذي يتعرض له المعلم أو المسؤول نتيجة كثرة الأعداد التي يتعين عليه تقييمها، ما يجعل عملية التقييم الفردي صعبة وشاقة للغاية، في هذا السياق، يبدو التقييم الكمي حل عملي لتحقيق العدالة والمصداقية، والابتعاد عن التحيزات الشخصية التي قد تؤثر على نتائج التقييم التقليدية؛ إذ ينتهي كل شيء في جدول بيانات وأرقام واضحة، تحدد المراكز الأولى بسهولة ويسر، هذه الأسباب وأسباب أخرى جعلتنا نشاهد اليوم هيمنة التقييم الكمي على أداء الموظف والطالب، حتى غدا التقييم النوعي يكاد يكون مغيبا بالكامل، مما يطرح تساؤلات حول مدى عدالة وفاعلية هذا الاعتماد الكلي على الأرقام.

إنَّ النظام القائم على التقييم الكمي يحمل في طياته العديد من السلبيات التي تضع فعاليته ومصداقيته تحت تساؤل جاد، أول ما يلفت الانتباه هو التبسيط المفرط والمخل الذي يمارسه النظام؛ حيث يتم اختزال كل جوانب الأداء والسلوك إلى أرقام فقط، فهو في واقع الأمر يحول معلومات معقدة الى بيانات رقمية بسيطة، مما يجعل التقييم سطحيًا ولا يعكس التعقيدات الحقيقية التي تميز الإنسان وحياته، فالعمل البشري ليس مجرد خط إنتاج؛ فهناك سمات مثل القيادة، والتعاون، والقدرة على حل الأزمات، والذكاء العاطفي، وهي أمور يصعب قياسها بالنقاط، ولهذا فقد يحصل الموظف الذي "ينفذ الأوامر" فقط على نقاط أعلى من الموظف "المبتكر" الذي قد يضحي بوقته لمساعدة زملائه أو لتطوير فكرة جديدة لا تقع ضمن بنود التقييم النقطي، إن هذا الأمر ينعكس سلبًا على بيئات العمل؛ حيث قد يتم تجاهل الإبداع أو المساهمات غير التقليدية لموظف ما لم تكن قابلة للقياس بالتقييم الكمي فقط، كما أن النظام يحفز سلوكيات سطحية؛ حيث يركز الأفراد على جمع النقاط فقط، بدلًا من السعي لتطوير مهاراتهم أو الإبداع الحقيقي، لأن الابداع الحقيقي يتطلب مساحة للخطأ والتجربة وفي نظام النقاط الصارم يصبح الخطأ خصما من الرصيد، ولذا لا يجرأ الموظف على الإبداع بل يتمسك بالمنطقة الآمنة والتي تدر عليه نقاطا، مما يولد إحباطًا وشعورًا بعدم العدالة وخاصة عند المبدعين، هذا إضافة الى أن نظام التقييم الكمي يخلق بيئة تنافسية شرسة قد تصل إلى حد العدائية، فعندما يتسابق الجميع على "جمع النقاط"، يقل التعاون بين أعضاء الفريق الواحد، وأخيرا لنا أن نتساءل هل النظام الكمي كما يعتقد البعض يتميز بالموضوعية وإلغاء التحيز؟ والجواب كلا لأن تصميم النظام نفسه قد يكون متحيزا، فمن الذي وضع قيمة النقاط لكل مهمة؟ ومن الذي يقرر أن المهمة "أ" تساوي 20 نقطة والمهمة "ب" تساوي 5 نقاط؟

إن هذه التفضيلات نفسها قد تكون منحازة وآخذة بعين الاعتبار أداء موظف معين يرغب المسؤول في حصوله على اعلى نقاط في التقييم النهائي، ولذا فان وصف التقييم الكمي بأنه تقييم موضوعي غير منحاز هو أقرب الى الوهم منه الى الحقيقة، فهناك إمكانية كبيرة للتلاعب أو استغلال ثغراته، سواء عبر استهداف نقاط ضعف المعايير أو عبر تقديم تقييمات غير متسقة تؤدي إلى نتائج مضللة.

إن علينا أن ندرك أن ما يسهل قياسه نادرا ما يكون هو في نفسه ذات قيمة حقيقية، فهناك فرق بين قياس دقات المحب وبين الحب الحقيقي، فدقات القلب يمكنك أن تقيسها بسهولة ويسر أما الحب الحقيقي فقياسه صعب المنال، ولهذا ففي أغلب التقييمات الكمية نجد أن هناك فجوة كبيرة بين ما يتم قياسه وما يهم فعلا، ولكن وعلى الرغم من كل السلبيات التي أشرنا لها، فإننا لا ندعوا الى الغاء التقييم الكمي بصورة كاملة، بل نعتقد إن التقييم الحقيقي يحتاج إلى نظام التقييم الهجين؛ حيث يتم استخدام التقييم الكمي كإطار استرشادي عام مع ترك مساحة واسعة للتقييم النوعي الواعي الذي يأخذ في الاعتبار الظروف والسياقات المختلفة، لأن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، فنحن لا نتعامل مع آلة تنطبق عليها قوانين نيوتن بل مع إنسان يمتلك مشاعر وأحاسيس وقدرات إبداعية لا يمكن حصر تقييمها بالأرقام.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z