لينا الموسوي **
في السنوات الماضية، كتبتُ وتحدثتُ عن مواضيع متنوعة في مختلف المجالات المعمارية والاجتماعية، كانت في معظمها ناتجة عن تجاربي الحياتية المختلفة. واليوم، أجد نفسي أخوض تجربة أخرى؛ فبينما أنا مستلقية لأسابيع على فراشي إثر وعكة صحية حدّت من حركتي، بدأتُ أراقب عن بُعد جمال السحب، وحركات النوارس التي تحلق في الأفق، والبراعم التي تتلألأ في الأشجار. من هذا التأمل الساكن، وجدتني أكتب عن أهمية ما يسمى بـ"العمارة العاطفية" وتأثيرها المباشر على حياتنا اليومية.
التصاميم المعمارية والداخلية الصحيحة -في نظري وحسب تجاربي الشخصية- هي التي تحاكي الروح في تفاصيلها، وتراعي الاحتياجات النفسية والفيزيائية في توزيع فضاءاتها واختيار موادها. فكل خط تصميمي يسحبه المعماري بقلمه أو عبر جهازه، ما هو إلا مؤثر أساسي يشكل حياة ونفسية الآخرين.
الحقيقة أن "العمارة العاطفية" التي يجهلها الكثيرون، ليست مجرد جدران ومواد وفضاءات وظيفية تُقسم حسب المتطلبات فقط؛ وإنما هي أساس نابع من علوم النفس التي تخاطب المشاعر عبر فضاءاتها المفتوحة والمنظمة. إنها العمارة التي تغذي الإحساس بالمواد المستخدمة فيها، وتنفس عن الروح بفتحاتها المدروسة والمتصلة بالخارج، وتختار ألوانها بعناية كالزهور المنسقة؛ لتقوم بأدوارها الإنسانية: تحاكي قلب الطفل في مدرسته، تخفف وجع المريض في مشفاه، وتفرح قلوب كبار السن في دورهم.
وإذا تمعنا قليلاً في (العمارة الإسلامية القديمة)، نجد أنها كانت تركز بتلقائية على تغذية روح الفرد؛ وذلك بخلق الفناءات الوسطية والحدائق الداخلية المظللة، حيث يداعب النسيم الأغصان ويطرب السكان خرير الماء، معتمدة على مواد بناء طبيعية تمنح الإنسان الراحة والدفء النفسي والاجتماعي.
هذا التوجه نلمسه أيضاً في (العمارة الهولندية الحديثة)، التي ترتكز في أساس تكوينها على علوم النفس والاجتماع؛ فتتميز بالبساطة في الشكل، والاهتمام البالغ بالمواد والتفاصيل الوظيفية، مع مُراعاة حاجة الإنسان الفطرية للتواصل مع الخارج وسهولة الاتصال والحركة.
ما وددت قوله- كمعمارية- إن العمارة العاطفية هي في جوهرها لغة تواصل صامتة بين المكان والساكن؛ هي الإدراك بأن الفراغ ليس مجرد مساحة وظيفية، بل هو بيئة تؤثر بعمق في استقرارنا النفسي؛ ففي اللحظات التي قد نجد فيها أنفسنا محاصرين بين أربعة جدران، تبرز قيمة التصميم الذي يحترم احتياجنا للضوء، والاتصال بالطبيعة، والشعور بالاحتواء. ليتنا كمعماريين ومصممين، ندرك دائماً أننا لا نبني هياكل من مواد صلبة فحسب، بل نصمم تجارب إنسانية يومية، ونخلق فضاءات تمنح الروح السكينة التي تحتاجها لتمارس حياتها بسلام.
** مهندسة معمارية
