أ. د. حيدر أحمد اللواتي **
التنوع في البيئة التعليمية هو جوهر أساسي يُثري العملية التعليمية ويخلق فرصًا مُتعددة للتعلم والنمو، وعندما نتحدث عن التنوع، لا نعني فقط اختلاف الخلفيات الثقافية أو الاجتماعية للطلاب والمُعلمين، بل نتحدث أيضًا عن اختلاف القدرات، الأساليب، والأفكار التي يحملها كل فرد داخل النظام التعليمي، إن هذا التنوع هو الذي يضمن تجربة تعليمية متكاملة وشاملة، حيث يستطيع كل طالب أن يجد طريقته الخاصة في التعلم، ويتلقى نوعًا من التعليم يُناسبه ويحفزه على النمو.
التنوع في مهارات وقدرات الأكاديميين هي حالة طبيعية لا يجب أن ينظر لها بشكل سلبي، فبعض الأكاديميين قد يكونون بارعين في الشرح والتواصل، ما يساعد الطلاب على فهم الأفكار بشكل واضح وسلس، بينما آخرون يتميزون بقدرتهم على تحفيز البحث والاستكشاف لديهم، مما يُشجع الطلاب على التفكير النقدي والاستقلالية في التعلم، إن هذا التنوع يعزز من فرص التعلم النشط ويخلق بيئة تعليمية ديناميكية يتفاعل فيها الطلاب مع المعرفة بشكل أعمق وأشمل.
لكن هناك توجهًا متزايدًا اليوم نحو محاولة توحيد أداء الأكاديميين بحيث يطالب الجميع بأداء مستويات متقاربة في العملية التعليمية وفي البحث العلمي في آنٍ واحد، إن هذا التوحيد الظاهري قد يبدو منطقيًا على السطح لتحقيق معايير تعليمية موحدة، لكنه يحمل في طياته خطورة كبيرة على الإبداع والابتكار في التعليم على المستوى الدراسات الجامعية، فالنسخ المكررة من نفس الأداء لا تسمح بالمرونة ولا تعطي المجال للاختلاف والتجديد، وهما الشرطان الأساسيان لبيئة تعليمية حية ومبدعة، فعندما يواجه الطالب مُحاضِرًا يستخدم طُرقًا تقليدية في التعليم وآخر يستخدم تقنيات حديثة، وثالث يعتمد على التعليم النشط، ورابع يفرض عليهم متابعته أثناء الشرح وتسجيل الملاحظات، فإن كل هذا التنوع يقوي من مهارات الطالب ويوسعها بصورة كبيرة، ويقوي من قدراته على التعامل مع الاختلافات. أما اذا تم فرض أسلوب معين على جميع الكادر الأكاديمي، كأن يفرض على الجميع استخدام أحدث التقنيات أو يفرض على الجميع استخدام نموذج معين من التعليم النشط، فان ذلك يؤدي الى ضمور قدرات ومهارات معينة لدى الطلبة، ويصعب عليهم التعامل مع الاختلافات التي سيواجهونها غدًا في حياتهم العملية.
وهكذا الحال في البحث العلمي، فهناك من يبرع فيه، ولكنه لا يبدي اهتمامًا مماثلًا في العملية التعليمية، خُذ على سبيل المثال العالِم العظيم إسحاق نيوتن، الذي يُعد أحد أعظم العقول العلمية في التاريخ، فمن المثير للاهتمام أن نعرف أن نيوتن لم يكن من الأساتذة التقليديين النموذجيين، بل كان يعاني من ضعف واضح في مهارات التواصل مع تلاميذه؛ حيث وُصِف بأنه كان سيئًا جدًا في شرح الأفكار وتوجيه الطلاب، لكن رغم ذلك، كان عبقريًا في البحث العلمي والاكتشافات التي غيرت مسار العلم إلى الأبد. هذا المثال يوضح كيف أن التنوع في القدرات والمهارات بين الأكاديميين يمكن أن يكون مصدر قوة، وليس ضعفًا، فبينما قد يعاني أحدهم في مهارات التدريس المباشر، قد يكون لديه القدرة على تقديم مساهمات علمية عميقة وثمينة تثري المعرفة الإنسانية، ولنا أن نتساءل هل سيكون نيوتن مرحبا به في الجامعات التي يتم فيها تقييم الأكاديميين على نسق واحد دون النظر الى اهتماماتهم وقدراتهم المختلفة!
المشكلة تكمن عندما ينظر الى أحد أطراف المعادلة في العملية التعليمية ويهمل الطرف الآخر، فيتم التركيز على الطالب بصورة مبالغة ويهمل الطرف الآخر من المعادلة وهو المعلم، ومدى إيمانه وقناعته العميقة بالوسيلة التي يستخدمها لنقل المعرفة العلمية، ومدى تفاعله وشغفه بها، فليس كافيًا أن يتعرف على أساليب التعليم الحديثة وكيف يستفيد منها الطلاب، بل يجب أن يقتنع بها وتلامس مشاعره وأحاسيسه، فيقبل على هذه الأساليب الحديثة بشغف، أما أن تفرض عليه أساليب معينة، لا يتفاعل معها، فذلك يحول التعليم إلى عملية ميكانيكية باهتة تفتقد الى الروح الإنسانية المبدعة، وتترك أثرها السلبي على جودة العملية التعليمية بأكملها.
علينا أن ندرك أنَّ الإبداع لا ينمو في بيئة جامدة ومتجانسة، بل يحتاج إلى مساحة تسمح بالاختلاف وتقبّل الأفكار الجديدة، حتى وإن كانت غير تقليدية أو تخالف القواعد المعتادة، وعندما يقّيم الجميع بمسطرة واحدة ويجبرون على اتباع نفس النهج في التعليم والبحث العلمي، تُقتل فرص الابتكار، ويُصبح التعليم؛ بل والبحث العلمي أيضا الى مجرد عملية نقل وبحث رتيبة عن المعلومات، بدلًا من أن يكونا رحلة استكشاف وتحفيز للعقول.
وقد أدرك عدد من الجامعات هذا الأمر، ولذا، لا يتم تقييم جميع الأكاديميين بصورة متماثلة، بل نجد اختلافا بين الكليات والأقسام، وبين الكوادر الأكاديمية، فهناك من يتم تقييمه بناءً على قدراته التعليمية، وآخرون يُقيّمون على أساس إنجازاتهم البحثية، حتى وإن كانت مهاراتهم التعليمية أقل قوة ولا يحصلون على تقييم عال من التلاميذ، إن هذا التقييم المتوازن يتيح للأكاديميين أن يبرعوا في مجالاتهم دون أن يُجبروا على تقليد نمط واحد من الأداء، وهذا بالمقابل يسمح للطلاب بالتعامل مع أنماط مختلفة ويزيد من مهاراتهم.
إنَّ التنوع في البيئة التعليمية هو المفتاح الذي يفتح أبوابًا كثيرة للتعلم والنمو، وتطوير المهارات المختلفة والتي غدت أمرا بالغ الأهمية، كما إنه يضمن أن يكون التعليم تجربة ثرية، تلبي احتياجات الجميع، وتحتضن القدرات المختلفة، مما يخلق جيلًا قادرًا على التفكير بطرق مبتكرة وحل المشكلات بأساليب جديدة، هذه هي البيئة التي يجب أن نسعى لبنائها، بيئة تحترم الاختلاف وتغذيه، لا أن تحاربه أو تفرض عليه قيودًا تقيد حريته.
** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
