حين يهرم الشباب

 

 

 

حمود بن سعيد البطاشي

في وطنٍ آمنٍ ومستقر كعُمان، يظل الإنسان هو الثروة الحقيقية التي يُبنى عليها المستقبل، وتبقى فئة الشباب الركيزة الأهم في مسيرة التنمية والبناء. غير أن المتابع للمشهد المجتمعي خلال السنوات الأخيرة يلحظ حجم القلق المتزايد بين أوساط الباحثين عن عمل، خاصة مع طول فترات الانتظار لدى البعض، وما يرافق ذلك من تحديات نفسية واجتماعية واقتصادية باتت واضحة في أحاديث الناس اليومية ومنصات التواصل الاجتماعي.

والحديث عن ملف التوظيف لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقادًا لجهة بعينها، بقدر ما هو تعبير مجتمعي مشروع عن هموم شريحة واسعة من الشباب الذين يطمحون إلى فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم، وتمكّنهم من بناء مستقبلهم والمساهمة في خدمة وطنهم؛ إذ لا شك أن الجهات الحكومية، وفي مقدمتها وزارة العمل، تبذل جهودًا مستمرة لمعالجة هذا الملف عبر المبادرات والبرامج المختلفة، إلا أن الشارع ما يزال يتطلع إلى نتائج أكثر حضورًا على أرض الواقع، خاصة في ظل تزايد أعداد الباحثين عن عمل وتنامي التحديات الاقتصادية المرتبطة بسوق العمل محليًا وعالميًا.

لقد أصبح من المؤلم أن نرى بعض الشباب وقد تجاوزوا سنوات طويلة من الانتظار دون أن يحصلوا على فرصة مستقرة، حتى باتت مشاعر الإحباط واليأس تتسلل إلى نفوس البعض، لا بسبب ضعف الإرادة أو قلة الكفاءة، وإنما نتيجة شعورهم بأن الطريق نحو الوظيفة أصبح أكثر تعقيدًا وصعوبة.

ومن المهم التأكيد هنا أن غالبية الشباب العُماني لا يبحثون عن الرفاهية أو الامتيازات الكبيرة، بل يتطلعون فقط إلى فرصة عادلة يشعرون من خلالها بقيمتهم ودورهم في المجتمع. فالشاب حين يعمل لا يحقق دخلًا فحسب، بل يحقق استقرارًا نفسيًا واجتماعيًا، ويشعر بأنه جزء فاعل في بناء وطنه.

كما أن قضية التوظيف لم تعد قضية فردية تخص الباحث عن عمل وحده، بل أصبحت قضية تمس الأسرة والمجتمع بأكمله، لأن استقرار الشباب ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي العام.

ومن هذا المنطلق، فإن الحاجة اليوم تبدو أكبر إلى تعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية، بما يحقق مواءمة حقيقية بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويفتح آفاقًا أوسع أمام الكفاءات الوطنية.

كما أن القطاع الخاص شريك أساسي في هذه المسؤولية الوطنية، وهو مطالب — دون تعميم — بمزيد من الاستثمار في الكوادر العُمانية وتمكينها ومنحها الثقة والمساحة لإثبات قدراتها، خاصة وأن التجارب أثبتت نجاح الشباب العُماني في مختلف القطاعات متى ما توفرت له البيئة المناسبة.

وفي المقابل، يبقى من الضروري كذلك تعزيز ثقافة المبادرة والعمل الحر وريادة الأعمال، بوصفها مسارات موازية يمكن أن تسهم في خلق فرص جديدة وتخفيف الضغط على الوظائف التقليدية، مع أهمية توفير بيئة داعمة ومحفزة لهذه التوجهات.

إن ما يطمح إليه المواطن اليوم هو خطاب واقعي شفاف يلامس مشاعره بصدق، ويمنحه الإحساس بأن صوته مسموع، وأن هناك عملًا متواصلًا لتجاوز هذه التحديات بروح المسؤولية والشراكة الوطنية.

فالشباب هم قلب الوطن النابض، والاستثمار الحقيقي لا يكون في المشاريع وحدها، بل في الإنسان العُماني نفسه، لأنه القادر - بعد توفيق الله - على صناعة الفرق وتحقيق الإنجاز متى ما وجد الفرصة والدعم والثقة.

ويبقى الأمل قائمًا بأن تحمل المرحلة القادمة مزيدًا من الحلول العملية والمبادرات النوعية التي تنعكس بشكل ملموس على حياة الباحثين عن عمل، وتعيد الطمأنينة إلى كثير من البيوت التي أنهكها الانتظار.

وما ورد في هذا المقال يأتي في إطار الطرح المجتمعي الهادف، وحرص المواطن على دعم الجهود الوطنية وتعزيز الحوار البنّاء بما يخدم المصلحة العامة؛ فالأوطان العظيمة تُقاس بقدرتها على احتضان طموحات أبنائها، وتحويل القلق إلى أمل، والانتظار إلى فرص، والتحديات إلى بدايات جديدة أكثر إشراقًا.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z