د. عبدالله باحجاج
كان اجتماع المجلس البلدي الرابع لمُحافظة ظفار للعام 2026 برئاسة صاحب السُّمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار، على مستوى عالٍ من الاهتمام الوطني، فقد انشغل بقضايا استراتيجية مُهمة، وفي مُقدمتها التوجه نحو صناعة سياحة الأعمال، وتمكين الكفاءات، إضافة إلى قضايا خدمية وتنظيمية أخرى، وهذا يُدشِّن تحولًا مُهمًا في طبيعة النقاشات والاهتمامات من الإطار الخدمي والتنظيمي إلى مستوى أعمق يسهم في تحقيق أجندات الدولة الاستراتيجية على مستوى المحافظات؛ فهو يعزز مسار الانتقال من دور الخدمات والمسائل التنظيمية إلى دور صناعة اقتصاد محلي مستدام وفق رؤية "عُمان 2040"، وهذا الانتقال معني به كل محافظة من محافظات البلاد.
وقد كان هذا الدور الاستراتيجي للمحافظات موضوع حوار أجرته معنا إذاعة سلطنة عُمان في برنامج "ساعة الظهيرة"، فقرة "أقلام"، حول مقالنا "الفترة الرابعة للمجالس البلدية.. والوعي الجديد"، واعتبرنا فيه الفترة الرابعة للمجالس البلدية (2027- 2030) الاستحقاقَ الزمنيَّ المُلِح لانتقال المجالس البلدية إلى صناعة الاقتصاديات المحلية، واعتبرنا نظام اللامركزية هو الحل الناجع لديمومة الاستقرار الاجتماعي وتعزيز العلاقة التاريخية بين الحكومة والمواطن بعد مجموعة متغيرات داخلية ودولية.
واستطرادًا لاهتمامات الاجتماع الرابع للمجلس البلدي لظفار، نرى أن الحاجة الآن تلح إلى تحديد هوية محافظة ظفار لكي تكون محتوى للمسارات والخيارات التنموية وربطها بمنظومة عوضًا أن تكون كقطاعات منفصلة، فهل الهُوية ينبغي أن تكون سياحية أم لوجستية أم أمن غذائي؟ الواقع أنه يمكن لظفار أن تكون متعددة الهويات بحكم إمكانياتها الكبرى، ومهما كان التعدد ينبغي أن يكون في إطار منظومة مترابطة لا كقطاعات منفصلة بحيث يشكل كل قطاع- أي هوية- قائدة للأخرى، بحيث يمكن أن تكون ظفار وجهة سياحية، ومركزا للأمن الغذائي، ومنصة لوجستية، ومركزا لسياحة الأعمال، ويبلورها كلها قطاع واحد كربط تكاملي، أي غير منفصل؛ كقطاع سياحة الأعمال إذا ما اقترنت بمعرض دولي للأمن الغذائي، ومؤتمر سلاسل الإمداد، ومنتدى للاستثمار الزراعي، معارض منتجات محلية للتصدير.
ويمكن أن نقدم هنا نموذج سنغافورة التي دمجت اللوجستيات بالتمويل وبالابتكار، ولو اخترنا قطاع اللوجستيات يمكن أن يقود بدوره بقية القطاعات، بحيث يمكن أن تكون ظفار بوابة الغذاء المستدام وسلاسل الإمداد بين آسيا وأفريقيا، وهذه الرؤية- اقتباسًا من تجارب أخرى- تربط بين الأمن الغذائي (الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي) واللوجستيات (إعادة التصدير وإعادة التوزيع) وسياحة الأعمال (المعارض والمؤتمرات) في اقتصاد محلي متكامل.
وظفار تمتلك كل عناصر إقامة اقتصاد محلي قوي بهويات متعددة ومتكاملة، موقع، طبيعة، تاريخ، استقرار اجتماعي، موارد متعددة... إلخ، لكنها تحتاج لعقل اقتصادي جديد يُديرها كمنظومة واحدة في إطار رؤية "عُمان 2040"، والتركيز في الاجتماع البلدي- سالف الذكر- على قطاع سياحة الأعمال يدخل من ضمن الرؤى الاستراتيجية المستحقة زمنيًا وإمكانيةً؛ فظفار في هذا القطاع تمتلك فرصًا فريدة لدخول عالم سياحة الأعمال إلى مستوى يجعلنا نطالب بأن تصبح مركزا للقاءات إقليمية طوال العام إذا ما سارعنا إلى استكمال بنيتها التحتية كجعل مطارها دوليًا، وهذا في حد ذاته سيخلق لها قيمة مضافة هي في أَمَسِّ الحاجة إليها الآن، كتوفير فرص عمل لحل قضية الباحثين عن عمل المتراكمة، وإقامة مراكز للمؤتمرات ومعارض دولية... إلخ.
وقد ناقش الاجتماع البلدي كذلك موضوع تمكين الكفاءات، وهو أمر يدعم صناعة الاقتصاد المحلي بكوادر وكفاءات وطنية. وبلورة هذا المسار الاستراتيجي تحتاج إلى إقامة كيان متخصص للتمكين باسم "مركز ظفار لتمكين الكفاءات" يكون من مهامه تحديد احتياجات السوق المحلي / الاقتصاد المحلي، وتحديد احتياجاته من التخصصات المختلفة، وكذلك تحديد نوعية التدريب والتأهيل وربط الجيل الجديد بالفرص ودعم المشاريع التأسيسية؛ حيث إن مفهوم التمكين يعني تأهيل نوعي يكون مرتبط بالسوق/ الاقتصاد واسناد أدوار قيادية، وصناعة فرص ريادة لا وظائف فحسب (أي شركات محلية).
الاقتصاد المحلي لظفار- وبالذات في قطاع الأمن الغذائي واللوجستيات وسياحة الأعمال- يحتاج لمهندسين زراعيين ومختصي تقنيات الري والزراعة الذكية، وخبراء سلاسل الإمداد بما فيها الغذائي، وإدارة الموانئ والتخزين والتبريد وإدارة التصدير وكفاءات محلية في إدارة الفعاليات والتسوق الدولي والضيافة الاحترافية... إلخ.
ومما تقدَّم، يظهر لنا أهمية إقامة اقتصاديات محلية في بلادنا، فهدفها استغلال الفرص الاقتصادية في كل محافظة، وصناعة إيرادات مستدامة للتنمية المحلية، وتخفف الضغوطات على موازنة الدولة، وتخلق فرص عمل، وتقلل التفاوت بين الولايات والمحافظات؛ أي إن معظم مشاكلنا المعاصرة كالباحثين عن عمل وإيجاد مصادر دخل محلية مستدامة نجد حلها في إقامة اقتصاديات محلية في كل محافظة، وهى هندسة مقرة في النظام الأساسي للدولة، وتحظى بتوجيهات ودعم كبيرين من لدن عاهل البلاد- حفظه الله ورعاه- وتظل القضية المطروحة الآن في التطبيق وفي الآجال الزمنية المستحقة في ضوء المتغيرات التي طرأت في علاقة الحكومة بالمواطن.
لذا.. نعتبر الاجتماع الرابع للمجلس البلدي لظفار بمثابة الوعي الجديد الذي يتناغم مع طبيعة التحول لمواجهة تلكم المتغيرات إذا ما خرج من رحم التفكير المؤسس السياسي، أما إذا كان ناجمًا عن دور مؤسسي ضمن صلب صلاحياتها الدستورية والقانونية، فينبغي أن يتحول إلى توجه عام بالشراكة التمثيلية للمجالس البلدية، وهذه الشراكة نُعوِّل عليها في تأسيس اقتصاديات محلية قوية ومستدامة، تعزز التنمية المحلية والاستقرار الاجتماعي.
