د. عبدالله باحجاج
بينما كنتُ عائدًا من مسقط الى صلالة، خلال الساعات الماضية، بعد مشاركتي في اللقاء الإعلامي مع معالي عبدالسلام بن محمد المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العُماني، حاولتُ التفكير في صياغة عنوانٍ لهذا اللقاء في ضوء ردود معاليه على أسئلة اللقاء المباشرة وغير المباشرة، ففورًا عنونته بانه "لقاء الاطمئنان".
ومفهوم الاطمئنان متعدد؛ فهو قد ينصرف نحو الاطمئنان بان فوائض البلاد المالية في ايادي امينة وطنية، تتميز بالكفاءة المهنية والبرغماتية والروح الوطنية المؤسسية، وهنا نموذجية بنائية يمكن تعميم الاستفادة منها مؤسسيا في القطاعين العام والخاص، وأنها توظف ببرجماتية آمنة في مسارات مربحة. لكن هذا المفهوم لم أجده اكتشافًا شخصيًا، وبعد استمرار في إعمال التفكير اكتشفت أنه اطمئنان بأن بلادنا تدخل للعالم الجديد من بواباته الرئيسية، ولن يختلف فيه معي فيه أحدٌ من الزملاء الذين حضروا اللقاء.
لذلك جعلته عنوانًا يتصدر المقال، ودلالته واضحة ومفادها أن بلادنا لن تكون متأخرة في الدخول الى العالم الجديد الذي يبني قوته من خلال مفاهيم جديدة تغلب عليها صفات التجديد والتغير بصورة دراماتيكية؛ أي غير ثابتة، ومنها تأسيس قوة الدولة الحديثة بالمفهوم المجرد، ومنها يقاس تقدمها أو تخلفها، ومنها نقول إن بلادنا لن تكون متأخرة عن السباق الإقليمي في ركب سفينة الإبحار نحو العالم الجديد. ويعزز جهاز الاستثمار العُماني هذا التوجه بمثالية كانت صامتة، ويُراد لها الان الظهور للسطح لدواعي الاطمئنان المتعددة المسارات والاتجاهات بما فيها الداخلية والإقليمية.
لذلك.. جاء الكشف خلال اللقاء عن صناعة "7" أقمار صناعة، إحداها بإمكانية عُمانية ذاتية خالصة، تحمل شعار "صنع في عُمان"، مع نفس الامكانية في صناعة الطائرات المُسيَّرة (الدرونز) بنسبة 95%، فكيف فجأةً حدث ذلك؟
هنا سِرُّ الصمت، وهنا كذلك سِرُّ الكشف عنه، وسِرُّ توقيته، وربما نجد هذه الاسرار، فيما كشف عنه معالي المرشدي من وجود 700 طالب عُماني في الصين يتلقون علوم العصر الجديد، ونجدها كذلك في تخصيص شركة أوكيو مؤخرا 100 بعثة دولية ضمن برنامج "رواد عُمان"، ونجدها كذلك في استثمارات جهاز الاستثمار العُماني في شركات تطوير تقنيات الطائرات المسيرة؛ لان قضية التطوير هي الأهم، ففيها الفارق الجوهري في مستقبل الطائرات المسيرة، وهذا ما يظهر فوق السطح، وما يظهر تبدو نتائجه مطمئِنة على مستقبلنا.
ويظل ما كشفه المرشدي من تعاون الصين وتركيا مع بلادنا دون تحفظ، على عكس الاخرين، قضيةً ينبغي أن تُعيد تعريف اصدقاء وحلفاء بلادنا من جهة، ويدفع ببلادنا نحو تعميق شراكتنا مع بكين وأنقرة، لكن ماذا ينبغي أن يعني لنا ما كشفه معالي المرشدي في اللقاء؟
يعني أن جهاز الاستثمار العُماني يُساهم بفعالية ووعي في تأسيس اقتصاد المعرفة القائم على التكنولوجيا المتقدمة وتوطين الصناعات المستقبلية وخلق مسارات جديدة لتأهيل جيل الشباب في تخصصات نادرة؛ فعدم دخول بلادنا في مثل هذه الصناعات وتأهيل أجيالنا لها، سندفع ثمنًا استراتيجيًا كبيرًا، في ضوء دروس الحرب الامريكية والإسرائيلية على ايران وتداعياتها، فتلكم لم تعد مجرد تقنيات حديثة؛ بل أصبحت جزءًا من معادلات الامن والاقتصاد والسيادة المعرفية في العالم الجديد.
هذا المسار المُهم والعاجل مكلف ماليًا، وهناك مسارات لها الوزن نفسه للمسار السابق في ضوء ما كشفته الحرب على ايران وتداعياتها، ومن ابرزها- وقد أوضحها في تدخلاتي وتساؤلاتي في اللقاء- أن المرحلة المقبلة تحتاج الى تعزيز أمننا الغذائي والاجتماعي والى تنويع اقتصادي والى وعيٍ مجتمعي قادر على مقاومة الفتن والسرديات والاختراقات، وكذلك المواطن الذي يشعر أن له مكانًا ومستقبلًا داخل وطنه. وقد تبنَّت مسيرتنا المتجددة مسارات استراتيجية مُسبقة، استشرافًا منها لمثل هذه الدروس الحديثة، وذلك من خلال تبنيها لنظام اللامركزية لتنمية المحافظات وإقامة اقتصاديات محلية في كل محافظة.
وقد وجَّهتُ لمعالي المرشدي في اللقاء تساؤلًا حول مساعدة جهاز الاستثمار المحافظات على إقامة اقتصادياتها في ظل نجاح الجهاز في تعظيم أرباحه بصورة تاريخية، والتي قاربت 3 مليارات ريال في عام 2025، وبالتالي، فإن هناك خاصة ماسّة الى إقامة صناديق أو مسارات استثمارية من قبل الجهاز، خاصة بالمحافظات توظيفًا منطقيًا لتلكم الفوائض المالية، وقد فهمتُ من إجابته أنه ربما نسمع أخبارًا سارة بهذا الصدد العام المقبل.
والهدفُ من طرحنا بتحويل المحافظات من مُستهلِكة لموازنات الدولة إلى مولِّدة للقيمة الاقتصادية في ظل إيماننا بأن الاقتصاديات المحلية القوية تُقلِّل من الازمات، مثل أزمة الباحثين عن عمل، وتُعزِّز الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي، وهذه النتائج تتماهى مع المسوغات وكبرى الغايات التي تقف وراء تبني بلادنا نظام اللامركزية وإقامة اقتصاديات محلية.
