سلطنة عُمان.. والأمن الخليجي الجديد

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

لن نُبالغ، ولن نُتَهم بالتَّعصب لبلادنا، إذا ما قلنا إنَّ سلطنة عُمان تحظى الآن بالثقة الخليجية العميقة من الناحيتين السياسية والاستراتيجية، وأنَّ هذه الثقة قد أصبحت كذلك مرتبطة بمستقبل الأمن الخليجي الجديد، وهنا نتساءل: ألم يكن هذا المستوى من الثقة معروفًا للأشقاء في الخليج قبل الحرب المجنونة التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران وتداعياتها بما فيها إغلاق مضيق هرمز؟

ربما الحروب والأزمات تُعيد تشكيل أو ترسيخ القناعات العميقة، فقد كشفت هذه الحرب من يقف فعلًا وقت الشِّدة، ومن ينبغي الرهان عليه دائمًا، فقد كشفت أن العلاقات الصادقة نادرة، وأنَّ الصمت الاستراتيجي أهم من الضجيج والصراخ الإعلامي، وأن مستقبل كل دولة خليجية جماعي مهما امتلكت أي دولة من وسائل القوة الخشنة.

مسقط لم تستغل الفوضى أو الأزمات الناجمة عن هذه الحرب وتداعياتها لتحقيق مصالح خاصة، أو الاصطياد في المياه العكرة، وهو ما أكد عليه معالي عبد السلام بن محمد المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العُماني في اللقاء الإعلامي مُؤخرًا، أي أنها لم تستغل الانقسام والخوف لنشر نفوذها أو تحقيق مكاسبها، وأن بلادنا ليست انتهازية تستغل الظروف غير المُستقرة بدلا من المُساهمة في الحل والتهدئة. وهنا تتجلى المصداقية والصدقية العُمانية المُستدامة، رغم أنَّ البعض كما ورد في مداخلات بعض الزملاء في اللقاء الإعلامي، قال إنها ينبغي أن تكون برجماتية مثل غيرها. ونختلف تمامًا معهم، لأن تراكم تطبيقات المصداقية الصدقية العُمانية في السلم والأزمات والحروب- كالحرب الراهنة والسابقة- يجعلها الآن تساهم بفعالية في بناء عقل خليجي جديد بعيدًا عن العواطف التي صاحبت تأسيس المنظومة الخليجية.

وأحدث تجليات الواقعية السياسية المؤسسة للثقة الخليجية العميقة ما حدث إبان الحرب من ربط موانئ الدقم وصحار وصلالة لوجستيًا ببعض دول الخليج؛ فلم تستغل مسقط الحاجة الخليجية؛ بل فتحت موانئها بتسهيلات مفتوحة، مما مكَّن الأشقاء في الخليج من ضمان استمرارية تجارتهم وسلاسل إمداداتهم دون أن تتأثر بالاضطرابات الحادة في الملاحة الإقليمية خلال الحرب. وهذا أكبر الاستدلالات على جاهزية موانئ السلطنة لكي تكون بديلًا أو مُكمِّلًا لمضيق هرمز. وقد أدرك الأشقاء الآن أنَّ أي اضطراب في مضيق هرمز قد يشل تجارتهم وطاقتهم وغذائهم وعموم سلاسل توريداتهم؛ لذلك لا غنى لهم من الآن عن إقامة ممر لوجستي متكامل- برًا وبحرًا- مع موانئ السلطنة، فهي تبدو منصة استقرار لوجستي للخليج.

معالي المرشدي أوضح في اللقاء الإعلامي أن السلطنة منفتحة إيجابًا على الربط الجيوستراتيجي للموانئ العُمانية مع الأشقاء بكل صدر رحب، وهو موقف ليس وليد هذه الحرب؛ بل قبلها، وأنها أبدت استعدادها حتى للمساهمة في بلورته؛ سواء من خلال مد أنبوب النفط أو عبر الناقلات أو سكك الحديد.. إلخ، وأن الجانب الخليجي كان مُترددًا، والآن ربما دروس الحرب قد تُغيِّر القناعات باتجاه إعادة رسم خريطة الطاقة الخليجية بحيث لا تبقى كل الصادرات رهينة مسار بحري واحد مثل هرمز، من هنا تظهر الدقم كمنصة خليجية لإعادة البيع والتداول والتكرير، وتعزز التكامل الخليجي في الطاقة بدل الاعتماد على مسارات ضيقة وحساسة ومنطقة الدقم تمنح للدول الخليجية إنشاء مخزون استراتيجي آمن بعيدا عن مناطق التوتر، وكذلك استمرار التصدير حتى في حالة تعطل الملاحة في هرمز، وتقليل المخاطر على الأسواق العالمية والعملاء الآسيويين، وتمنح الخليج قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.

بلادنا مقبلة على جذب دول خليجية وعالمية لموانئها كأهم دروس الحرب، وهنا نذكر أن هذا التحول يُحتِّم علينا كعُمانيين التفكير فيه من الآن باتجاه تحقيق أجندتنا الوطنية من أبرزها المساهمة في نجاح إقامة اقتصاديات محلية وخلق وظائف – نوعية وكمية – عوضاً عن أن تكون منعزلة عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي أو يكون لها مردود محدود، ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن موانئ بلادنا الدقم وصلالة وصحار متفرقة على 3 محافظات، مما يعني أن محافظات شمال الباطنة وظفار والوسطى يمكن أن تقود التنمية الوطنية في مسارها الجديد بعد الحرب عبر تحويل موانئها إلى سلاسل اقتصادية وليست نقاط عبور، وفي تجارب خارجية، تم إقامة ما يسمى باقتصاديات الميناء وذلك حتى لا يظل أثره- أي الميناء- الاقتصادي والاجتماعي محدودًا.

وبلادنا الآن تتوافر لها فرصة تاريخية ليس فقط على الصعيد الخليجي، وإنما العالمي عبر ربط موانئها بممرات عالمية تمتد نحو الهند وشرق أفريقيا وآسيا الوسطى بما يجعلها جسرًا بين الخليج والمحيط الهندي.

من هنا يأتي الحديث عن ضرورة الإسراع في استكمال مشروع القطار الخليجي كأداة استراتيجية عاجلة تُحتِّمه دروس ما بعد الحرب ومستقبل الاقتصاديات الخليجية، وهذا في حد ذاته سيكون تطورًا له مجموعة أبعاد اقتصادية واجتماعية استراتيجية، وينبغي علينا أن نكون جاهزين لهذا الملف من كامل زواياه سالفة الذكر، وبهذا نُحقق رؤية "عُمان 2040" التي تقوم على بناء اقتصاد مُنتِج ومُتصِل بالعالم، وتعزيز دور القطاع الخاص وتحويل سلطنة عُمان إلى مركز استثماري ولوجستي أكثر تأثيرًا.

الأكثر قراءة

z