5 ضوابط حاكمة لمرحلتنا الاقتصادية الجديدة

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

حراك اقتصادي كبير تدشنه بلادنا هذه الأيام في مسار مستقبلي تصاعدي، يحمل معه آمالًا واسعة بمستقبل أكثر ازدهار وتنوعًا، وهذا الحراك الاقتصادي يأتي بعد ما عززت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مكانة سلطنة عُمان والثقة بها رغم التحديات التي تواجهها من جراء تمسكها بمبادئها وبسلمية جيواستراتيجية؛ ففي الأزمات الكبرى تترسخ حقائق الدول وتزداد الأهمية بمواقعها الجيوسياسية.. بمعنى آخر، أن الحقائق والأهمية هي أصلًا معلومة، لكن الأزمات تظهر مدى الرهانات عليها من حيث الاعتماد عليها في تأسيس مصالح استراتيجية مشتركة مستدامة جديدة ومن حيث حجمها كذلك، أو من حيث تعزيز المصالح القائمة؛ لأن الحروب والأزمات تنضج الاستراتيجيات والسياسات والتوجهات والقناعات.

الحرب ورغم جنونها الذي استمر 40 يومًا، وحالة عدم اليقين في عدم تجدُّدها، والمحاولات الفاشلة في حمل بلادنا على تغيير خيارها الحيادي، إلا أنها أظهرت بلادنا كدولة موثوقة ثابتة على مبادئها، وبثقة الاتزان والعقلانية والمصداقية بعيدة كل البُعد عن الانفعالات والضجيج السياسي والإعلامي والاستفزازات كتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب ووزير خزانته، والمساس في حالات محدودة بسيادتها، ربما لاختبار هدوئها ومدى التمسك بمنهجها الحيادي. وهنا ينبغي القول صراحة إن مسقط تُثبت الآن أهم خاصيتين من الخصائص المعروفة عنها وهما: موقعها الجيواستراتيجي بين دول الخليج العربية، وكونها شريكا ثابتًا وصوتًا للحكمة والاعتدال ومركزًا للثقة في كل الأوقات بما فيها الحرب والتوترات.

ومن الطبيعي أن تَستثمِر مسقط هذه المُنجزات السياسية؛ حيث تُتاح لها الآن فرص اقتصادية كبيرة ومتعددة، فقد أصبحت في الوعي الاستثماري الإقليمي والعالمي أنها منطقة جذب استثمارية آمنة ومستقرة؛ سواء اتخذ عامل الجذب تعزيز وتوسيع الاستثمارات القائمة في بلادنا، أو دخول استثمارات جديدة فيها، وهذا ما تعكسه هذه الأيام مبادرات دول وشركات أجنبية وحراك استثماري محلي كبير؛ فالبلاد تُدشِّن حراكًا اقتصاديًا ومشروعات جديدة بعضها مُعلن كتعاون جديد بين بلادنا والصين لإنشاء أول مصنع للسيارات الكهربائية في صلالة، بعدما انشأت مصنعين مماثلين في بركاء والدقم، وأخرى لدولة الكويت الشقيقة من بينها مشروع سياحي جديد سيُعلن عنه قريبًا، وكذلك وفق ما تتحدث عنه الأنباء إطلاق مدينة زراعية على مساحة 65 كيلومترًا لتوفير الغذاء لنحو 25000 نسمة، وكذلك الإسراع في الأعمال الإنشائية لمشروع القطار الخليجي، وأخرى في الطريق قريبًا مع دول ومستثمرين آخرين ومن بينهم جُدد، ولن نتفاجأ إذا ما سمعنا عن نضوج استراتيجي خليجي لممر لوجستي بين الموانئ الخليجية- كلها أو بعضها- بمواني السلطنة كصحار والدقم وصلالة كأهم دروس هذه الحرب.

وستُشكِّل المشروعات الاقتصادية الجديدة رافعةً مُهمةً للنمو الاقتصادي وتعزيز مكانة السلطنة الإقليمية والدولية، لكن الرهان الحقيقي ليس في حجم الاستثمارات وحده؛ بل قدرتها على بناء اقتصاد يخلق الفرص ويعزز الاستقرار ويمنح الشباب أفقًا أوسع للمستقبل، ينقلهم سريعًا من حالة شُح فرص العمل الآن الى صناعة الفوائض في الوظائف والإيرادات.

وهناك 5 ضوابط حاكمة لهذا المستقبل الاقتصادي، ونستخرجها من استراتيجيات مسيرتنا المتجددة وثوابتها السياسية والاقتصادي والمالية الجديدة، كرؤية "عُمان 2040"، وتبنِّي إقامة اقتصاديات محلية في كل محافظة من محافظات البلاد، وتبنِّي نظام اللامركزية، والتركيز على تنمية المحافظات، وهذه الضوابط هي:

1- صناعة التفاؤل الاجتماعي خاصة لدى الشباب بالمرحلة الاقتصادية الجديدة، عبر إيجاد برامج تلفزيونية وإذاعية وربطها بوسائل التواصل الاجتماعي في حوارات مهنية تكشف الفرص المتعددة المُقبلة، تبني وتعزز الثقة بين الطموح والواقع.

2- جعل التوظيف من أهم معايير نجاح المشروعات الجديدة، وعندما يرى الشباب في المشاريع الكبرى الجديدة الكم العددي والنوعي للوظائف وفرص استثمار وتدريب، يصبح التفاؤل أكثر واقعية، والثقة كبيرة، خاصة إذا ما رافقها إبراز قصص النجاح المحلية، خاصة أولئك الذين نجحوا في ريادة الأعمال أو الاستفادة من التحولات الاقتصادية الجديدة.

3- كثافة رأس مال المشروعات الجديدة، أي حجم الأموال والاستثمارات المطلوبة لإنشاء وتشغيل مشروع ما مقارنة بعدد الوظائف التي يوفرها.

4- ربط المشروعات الاقتصادية الجديدة بالتأهيل بغية إعداد الجيل للوظائف المستقبلية في التقنية واللوجستيات والصناعة والسياحة.

5- أن يكون لكل مشروع جديد أثر ملموس محليًا؛ أي على المحافظة والولاية التي سيُقام فيها، كتوفير فرص عمل مباشرة ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالمشروعات بغية خلق مجموعة كبيرة من فرص العمل.

قد تكون بعض هذه الضوابط موجودة، لكننا نشدد عليها كمجموعة واحدة حتى تنتج الأثر الوطني والمحلي في وقت واحد- من حيث الكم والنوع- وهذه حتمية تفرض ذاتها الآن بعد أكثر من 6 سنوات خُصِّصَت لمعالجة العجز المالي وتحقيق التوازن المالي؛ لذلك ينبغي أن تشكل تلك الضوابط الست الأولوية الأولى أو لكل مشروع اقتصادي كبير جديد، وأن يترجم ذلك الى واقع ملموس، وهذا لن يتأتى إلا إذا احتكمت عملية إقامة المشروعات الاقتصادية الجديدة بمؤشرات تلك الضوابط؛ حيث ينبغي أن يُسأل كل مشروع ومسبقًا: كم وظيفة مباشرة وغير ومباشرة سيوفرها للمواطنين؟ وكذلك أثره على الاقتصاد المحلي للمحافظة التي يقام فوق حيزها الترابي الوطني.

ونقترح إيجاد إطار مؤسسي متخصص مركزي ومحلي؛ أي في كل محافظة يتبع المحافظ مباشرةً، للقيام بهذه المهمة الوطنية بامتياز في الآجال الزمنية المُستحَقَة، وأن يُعطي لها الوقت الكافي، وهذا هو الطريق الأصح لتفادي أي مشكلة في قضايا محددة وضاغطة، مثل الباحثين عن عمل وتنمية المحافظات؛ فالمعرفة الزمنية المُسبقة بحجم عوائد المشاريع الاقتصادية الكبيرة كفرص العمل- مثلًا- تُبنى عليها الثقة، وتصنع التفاؤل وتُخطَّط عليها عملية تأهيل وتدريب شبابنا مسبقًا.

الأكثر قراءة

z