مؤيد الزعبي
عزيزي القارئ خلال وقت قريب ستقف أمام شخص يبتسم لك، ويرد على أسئلتك بنبرة هادئة، يلاحظ تعبيرات وجهك ويغير أسلوبه وفقًا لها، لتكتشف لاحقًا أنك لم تكن تتحدث إلى إنسان أصلًا؛ بل روبوت بملامح بشرية طبق الأصل، جلده جلد إنسان عينان واسعتان تلمعان وأنف يهتز بأنفاسه، وشعر رأسه يتطاير.
هذه الفكرة لم تعد بعيدة المنال كما كانت، بل أصبحت احتمالًا أقرب للواقعية مع التطور السريع في الروبوتات الشبيهة بالبشر، والسؤال هنا لم يعد هل ستصبح الروبوتات أكثر شبهًا بالإنسان، بل إلى أي حد ستتلاشى الحدود النفسية والاجتماعية بيننا وبينها، بحيث يصبح التمييز بين الإنسان والآلة أقل وضوحًا في الحياة اليومية لنجدها تستقبلك على أبواب الفنادق وترحب بك في المطاعم، وليس غريبًا أن نجدها تمسك بيدك وتتمشى معك في الحديقة.
الجيل الجديد من الروبوتات لم يعد مجرد هيكل معدني يتحرك بصلابة، بل أصبح يعتمد على جلد صناعي مرن يحاكي ملمس الجلد البشري، وعضلات اصطناعية تمنح الحركة سلاسة طبيعية، ومحركات دقيقة تسمح بتعابير وجه شبه واقعية وتقنيات صوت شبيهة بأصوات البشر، وعندما نتحدث عن العقول فهي مدمجة بنماذج ذكاء اصطناعي توليدي قادرة على استيعاب الكلام والتصرفات والايحاءات والتفاصيل التي أمامها، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق الحقيقي، فابتسامة خفيفة، حركة العين، ميلان الرأس أثناء الاستماع، ومداعبة الشعر أو الأنف أثناء الحديث، كلها إشارات اجتماعية يستخدمها البشر دون وعي، لكن عندما تتقن الروبوتات هذه الإشارات، فإنها لا تبدو فقط شبيهة بالبشر بل تبدأ بالدخول إلى المساحة النفسية التي نخصصها للتفاعل الإنساني وبذلك تدخل الروبوتات مناحي شخصية كنا نعتقد بأنها حكرًا على بني جلدتنا.
الروبوت الذي يملك جسدًا شبيهًا بالبشر ويستطيع في الوقت نفسه فهم اللغة الطبيعية، وتحليل المشاعر، وتعديل أسلوبه أثناء الحوار، يصبح كيانًا اجتماعيًا وليس مجرد آلة، هنا تبدأ الحدود بالتلاشي فلم يعد التفاعل معه مجرد استخدام أداة، بل علاقة تواصل واتصال وربما مشاعر عزيزي القارئ، وهذا النوع من الروبوتات يمكنه أن يتذكر تفضيلاتك، يلاحظ تغيرات مزاجك، ويتفاعل بطريقة تبدو إنسانية، وبرأيي هذه النقطة تحديدًا هي التي ستغير شكل العلاقة بين البشر والآلات، لأننا نتعامل نفسيًا مع من يتفاعل معنا اجتماعيًا على أنه "شخص" حتى لو كنا نعلم أنه ليس إنسانًا، وبذلك الاهتمام المدروس من قبل الآلة سنصبح نتقبل أي علاقة تربطنا بهم حتى وإن كانت علاقات عاطفية أو صداقة يتخللها مشاعر.
لقد وصلنا فعليًا إلى مرحلة متقدمة في هذا الاتجاه فهناك شركات عدة تعمل اليوم على تطوير روبوتات بشرية بملامح واقعية، بعضها قادر على التفاعل اللفظي وتغيير تعابير الوجه بشكل طبيعي، وهناك نماذج تستخدم جلد سيليكون عالي الدقة يحاكي التجاعيد الدقيقة، وأخرى تعتمد على شبكات من المحركات الصغيرة داخل الوجه لإنتاج تعابير متعددة، كما بدأت شركات التكنولوجيا بدمج الروبوتات البشرية مع أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تسمح لها بإجراء حوار طويل وفهم السياق الاجتماعي فلم يعد الأمر مجرد تخيل، وهذه التطورات تعني أننا لم نعد نتحدث عن مفهوم نظري، بل عن نماذج أولية تدخل تدريجيًا إلى مجالات العمل والخدمات.
المُثير أن الاستخدامات المحتملة لهذه الروبوتات تمتد إلى مجالات شديدة الحساسية إنسانيًا، فيمكن أن تعمل كمساعدين في الرعاية الصحية لكبار السن، أو كمرافقين اجتماعيين للأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، أو في قطاع التعليم كمدرسين تفاعليين، أو في الفنادق والمطارات حيث يكون التفاعل البشري مهمًا، ففي هذه البيئات الشكل البشري ليس مجرد خيار جمالي، بل عنصر أساسي لخلق الراحة النفسية، فنحن البشر نميل للتفاعل مع من يعطينا الإحساس بالراحة والانسجام ومع تطور الذكاء الاصطناعي يمكن لهذه الروبوتات أن تتعلم من التجربة وتتكيف مع الأشخاص وفقًا لأطباعهم ما يجعلها أكثر اندماجًا في الحياة اليومية.
يبقى السؤال الأهم عزيزي القارئ كيف سنتعامل مع كيان يشبه الإنسان ويتصرف بطريقة إنسانية لكنه ليس إنسانًا؟ هل سنمنحه دورًا اجتماعيًا؟ هل سنثق به في علاقات شخصية؟ ماذا يحدث عندما يصبح الروبوت مستشارًا أو مرافقًا دائمًا هذه الأسئلة ستصبح أكثر إلحاحًا عندما تتصبح قادرة على الاستنتاج والتعلم والتفاعل العاطفي، عندها لن يكون الروبوت مجرد منفذ للأوامر، بل طرفًا في علاقة اجتماعية مع البشر فهل نحن مستوعبون لهذه التغيرات ومدركون إلى أين تتجه الأمور.
المستقبل يقول إنَّنا متجهون نحو عالم تصبح فيه الروبوتات الشبيهة بالبشر جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، ومع تحسن الجلد الصناعي، وتطور تعابير الوجه، وزيادة دقة الحركة، ودمج الذكاء الاصطناعي التوليدي، ستصبح هذه الروبوتات أكثر إقناعًا، وربما لن يكون السؤال مستقبلًا هل نستطيع تقبل بعضنا البعض كبشر بعيوبنا وبتفاصيلنا وأنماطنا وباختلافاتنا في ظل وجود روبوتات شبيهة بنا لكنها أكثر قربًا وأكثر فهمًا لاحتياجاتنا ويمكن تشكيلها كيفما نريد شكلًا ومضمونًا؟ هذا الأمر وإن كان بسيطًا اليوم إلا أنه سيكون خطيرًا في قادم الوقت.
