مؤيد الزعبي
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تجاذبات جيوسياسية معقدة، وتتصاعد فيه نبرة التهديدات العسكرية التقليدية، تبرُز جبهة أخرى لا تُرى بالعين المجردة، لكن أثرها قد يكون أشد فتكًا من الصواريخ والمسيرات العابرة، ومع تزايد حدة التوترات الإقليمية، لم يعد السؤال: "هل نحن مستعدون للمواجهة العسكرية فتجربتنا اجابت على السؤال؟" بل "هل نحن محصنون رقميًا بما يكفي لنحفظ مكتسباتنا؟" وهل تضمن أنظمتنا الرقمية حماية تدفقات البيانات، وتشغيل محطات تحلية المياه، وشبكات الطاقة والاتصالات التي تشكل عصب الحياة؟
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمات عابرة، بل هو تحول جذري في مفهوم "الأمن القومي" فالحروب الحديثة باتت هجينة، تعتمد على شل الحركة قبل إنطلاق العمليات العسكرية، وبالنسبة لدول الخليج والتي تقود اليوم أضخم مشاريع التحول الرقمي عالميًا، فإن هذا المنجز التقني بات هو "الهدف الثمين" الذي يجب حمايته، فإن استهداف أنظمة التحكم الصناعية (SCADA) في قطاعات الطاقة والنفط والغاز لا يعني مجرد توقف إنتاج، بل هو بمثابة "قنبلة صامتة" قادرة على هز استقرار الاقتصاد العالمي، وهو خطر لم يعد نظريًا، بل لمسناه في اعتداءات سيبرانية متكررة استهدفت منشآت حيوية في المنطقة خلال الفترة الماضية.
لا يتوقف الخطر عند حدود الطاقة؛ بل يمتد ليشمل "الجهاز العصبي" للاقتصاد؛ ونقصد هنا القطاع المصرفي وشبكات الاتصالات، فإن تعرض البنوك التي تعد مراكز مالية عالمية، لهجمات منظمة تهدف لتجميد الأصول أو التلاعب ببيانات المودعين، يمثل "حصارًا رقميًا" يفوق في تأثيره العقوبات الاقتصادية التقليدية. وبالمثل فإن شبكات الاتصالات وخدمات الجيل الخامس ليست مجرد وسيلة تواصل؛ بل هي البنية التي تقوم عليها المدن الذكية والحكومات الإلكترونية، وبالتالي أي اختراق لهذه الشبكات يعني شللًا تامًا في الخدمات العامة، من الصحة إلى النقل، مما يجعل تأمينها قضية وجودية لا تقبل التأجيل لهذا أود عزيزي القارئ أن نفهم سياق هذا المقال في إطار أن ما نملكه من مقومات رقمية في منطقتنا هي مكتسبات حقيقة يجب حمايتها من أي عبث أو تخريب.
تحقيق السيادة السيبرانية يبدأ من الإدراك بأن الأمن الرقمي يحتاج قرارًا سياديًا ومنظومة وطنية متكاملة يجب أن نصنعها ونطورها بأيادي ومبرمجين وطنيين، فنحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة المستهلك للحلول الأمنية العالمية إلى المنتج للاستراتيجيات الدفاعية المحلية؛ فالسيادة تعني امتلاك مراكز بيانات إقليمية محصنة، وتطوير تشريعات موحدة تواكب سرعة التهديدات، والأهم من ذلك، بناء ترسانة برمجية وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالهجمات قبل وقوعها.
ومن وجهة نظري، فإن الاعتماد الكلي على البرمجيات الأجنبية دون امتلاك القدرة على فحص أكوادها بعمق، يترك ثغرة في جدار أمننا القومي قد تُستغل في لحظات الصراع الكبرى وقد أثبتت التجارب أنه لا يوجد صديق مدى الحياة خصوصًا في علاقات الدول.
ومن هنا- عزيزي القارئ- يجب أن نعي أنه للحفاظ على مكتسباتنا الرقمية يتعين أن نعلم أن الأمن السيبراني هو الضمانة الحقيقية لنجاح الرؤى الوطنية الطموحة التي تتبناها دول المنطقة، وهنا لا يمكننا الحديث عن اقتصاد المستقبل دون وجود درع سيبراني صلب يحمي الابتكار والتطور والرقمنة، وهذا يتطلب استثمارًا مكثفًا في رأس المال البشري الوطني فالعنصر البشري هو خط الدفاع الأول، وتمكين الكفاءات الوطنية في علوم التشفير والأمن الدفاعي هو الاستثمار الحقيقي الذي سيحمي سماءنا الرقمية من الاختراقات الموجهة.
ختامًا.. إنَّ الصراع القائم يضع دولنا أمام استحقاق تاريخي، إمَّا أن نكون أسيادًا لفضائنا الرقمي، أو نكون عُرضة لابتزاز تقني في لحظات التأزم السياسي، كما أن السيادة السيبرانية اليوم هي الوجه الحديث للسيادة الوطنية، وحماية منجزاتنا من استهداف أنظمة الطاقة والمال والاتصالات باتت أمانة في عنق الاستراتيجيات الدفاعية المعاصرة؛ فمستقبل الأمن في عالم اليوم يُكتب بلغة البرمجة قبل أن يُصان بحد السلاح.
