ماذا لو؟

 

 

 

"الفريق الحكومي الواحد"… من مبادرة إلى تكامل، إلى أثر، إلى ثقافة وطنية مستدامة

 

حسين بن محمد اللواتي **

 

منذ انطلاق مبادرة "الفريق الحكومي الواحد"، برزت الجهود الكبيرة التي قادتها الأكاديمية السلطانية للإدارة بالشراكة مع مختلف الجهات الحكومية، في تأسيس نموذج وطني يُعزز ثقافة التكامل والعمل المشترك، ويرسخ ذهنية مؤسسية جديدة تقوم على التعاون وتبادل الخبرات وتوحيد الجهود نحو الأولويات الوطنية الكبرى. وقد عكست مستويات التفاعل الواسعة مع المبادرة إدراكًا متقدمًا لأهمية بناء بيئة حكومية أكثر انسجامًا ومرونة، تكون فيها الشراكة بين المؤسسات والأفراد ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

ولعلَّ من أهم ما يميز هذه المبادرة أنها أعادت التأكيد على القيمة الحقيقية للموظف الحكومي، بمختلف مستوياته الوظيفية، باعتباره شريكًا في صناعة التحول الوطني، وعنصرًا محوريًا في بناء أجيال مؤسسية قادرة على الابتكار والتطوير وخدمة الوطن بكفاءة واقتدار. فنجاح المبادرات الوطنية لا يتحقق بالأنظمة والإجراءات وحدها، بل بالعقول المؤمنة برسالتها، والطاقات القادرة على تحويل الرؤية إلى مُمارسة يومية وثقافة عمل مستدامة.

في كل مبادرة وطنية كبيرة، يُطرح سؤال لا يقل أهمية عن سؤال «ماذا سنفعل؟»، وهو: ماذا لو نجحنا فعلًا؟ ليس النجاح كشعار أو فعالية مؤقتة، بل كتحول حقيقي يُعيد تشكيل العلاقة بين المؤسسات، وبين الموظف ووظيفته، وبين الدولة ومجتمعها.

وحين نقرأ ما طرحته جريدة عُمان في مقالها "حين تتكلم الدولة بلغة واحدة"، وما ناقشته جريدة الرؤية في مقاليها "الفريق الحكومي الواحد.. عمل متكامل ذو قيمة» و"الفريق الحكومي الواحد.. من البيروقراطية إلى التكامل"، ندرك أننا أمام مشروع لا يستهدف تطوير الأداء المؤسسي فحسب، بل تعزيز نموذج العمل الحكومي بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ويؤسس لمرحلة أكثر تكاملًا ومرونة في العمل الوطني.

لكن السؤال الأكثر عمقًا يظل حاضرًا: ماذا لو تحولت النتائج المرجوة فعلًا إلى واقع؟

ماذا لو بدأنا أولًا من الدور الإعلامي، لا بوصفه ناقلًا للحدث فقط، بل شريكًا في ترسيخ ثقافة المبادرة وتحويل رسائلها إلى ممارسة مؤسسية مستدامة؟ وماذا لو تحولت الأفكار التي طُرحت في المقالات والحوارات والتغطيات إلى خطط عملية تتابعها الجهات المعنية، وتُقاس آثارها، ويُحتفى بمنجزاتها وتجاربها المُلهمة؟

وماذا لو بدأ "مجتمع السفراء" عمله الحقيقي داخل المؤسسات؟ ليس كإطار تنظيمي فحسب، بل كحراك مهني يقوده موظفون مؤمنون برسالة المبادرة، وواعون بأن أثر الوظيفة يتجاوز حدود المهام اليومية ليصل إلى خدمة المجتمع وتعزيز تنافسية الوطن وصورته الحضارية.

وماذا لو اختارت الجهات سفراء يمتلكون الشغف والقدرة على التأثير الإيجابي؟ سفراء يفهمون القيادة بوصفها بناءً للعلاقات وتعزيزًا للثقة، ويؤمنون بأنَّ الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأهم لرفع كفاءة الأداء وتحقيق الاستدامة المؤسسية.

هنا تظهر أهمية القيادة المبنية على الحوار والثقة، والقيادة العلائقية والتفاعلية التي تجعل من الموظف شريكًا في صناعة الحلول، لا مجرد منفذ للمهام. فالإنجازات الكبرى لا تصنعها الهياكل التنظيمية وحدها، وإنما تصنعها العلاقات المهنية الصحية، والثقة المتبادلة، والقدرة على العمل نحو هدف مشترك.

ومن المهم أن ندرك أن التوجه نحو التكامل الحكومي والعمل المؤسسي التشاركي لم يعد مجرد خيار إداري حديث، بل أصبح أحد أبرز ملامح الحكومات المتقدمة حول العالم. فقد أشارت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تحليل ما يقارب 800 تجربة ابتكارية حكومية في 83 دولة، كان العامل المشترك في نجاحها هو التكامل بين المؤسسات، والعمل التشاركي، وإشراك الموظفين والمجتمعات المهنية في تطوير الخدمات وصناعة الحلول.

وتؤكد الأدبيات الحديثة في القيادة والحوكمة التشاركية أن المؤسسات التي تبني بيئات قائمة على الثقة والحوار وتبادل المعرفة تحقق مستويات أعلى من الاستدامة المؤسسية والقدرة على التكيف مع المتغيرات. ولذلك فإن مفهوم "الفريق الحكومي الواحد" لا يمثل مبادرة تطويرية فحسب، بل يعكس توجهًا عالميًا نحو بناء مؤسسات أكثر ترابطًا وقدرة على تحقيق الأثر.

وعندما نتحدث عن أكثر من سبعين ورشة نُفذت ضمن المبادرة، فنحن لا نتحدث عن رقم تدريبي فقط، بل عن مساحة وطنية واسعة لتوليد الأفكار والعلاقات المهنية وتبادل الخبرات. ولو افترضنا أن كل ورشة أنتجت فكرة تطويرية أو مبادرة قابلة للتطبيق، فإننا أمام عشرات الفرص المؤسسية والوطنية التي يمكن أن تنعكس على جودة الأداء الحكومي، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز تجربة المستفيد، وصناعة ثقافة عمل أكثر تكاملًا وانسجامًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

ولكن وقبل أن نتحدث عن النتائج، حان الوقت لنتوجه برسالة مباشرة إليكَ... وإليكِ... وإليكم جميعًا ممن حضرتم ورش «الفريق الحكومي الواحد»، وعشتم لحظات التفاعل والفخر والاعتزاز، وشهدتم كيف يمكن لفكرة واحدة أن تجمع مؤسسات متعددة حول هدف وطني مشترك.

ماذا حملتم معكم في اليوم التالي للورشة؟ وماذا بقي معكم في الأسبوع التالي؟ وماذا استمر معكم بعد شهر أو عدة أشهر من عودتكم إلى مقار أعمالكم؟ هل ما زال ذلك الشغف حاضرًا؟ وهل ما زالت تلك الطاقة الإيجابية التي ملأت القاعات والنقاشات وورش العمل حاضرة في ممارساتكم اليومية؟ وهل ما زالت النظرة ذاتها متجهة نحو الغاية الكبرى التي تجمعنا جميعًا، وهي الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040؟

إن القيمة الحقيقية لأي ورشة لا تُقاس بما يحدث داخل القاعة، بل بما ينتقل منها إلى بيئة العمل. ولا تُقاس بحجم التفاعل في ذلك اليوم، بل بقدرتها على الاستمرار والتحول إلى سلوك وممارسة وثقافة مؤسسية متجددة.

وهنا يبرز السؤال الأهم في هذه الرحلة كلها: ماذا لو بقيت تلك الطاقة كما كانت في ساعات "ورشة اليوم الواحد"؟

ماذا لو استمرت روح المبادرة، وحماس المشاركة، والرغبة في صناعة الفرق، بنفس المستوى الذي شعر به الجميع في تلك اللحظات الملهمة؟

ماذا لو عاد كل مشارك إلى مؤسسته وهو يحمل رسالة لا تنتهي بانتهاء الورشة، بل تبدأ منها؟

وماذا لو ترابطت المجتمعات المنبثقة من المبادرة فعلًا؟ مجتمع السفراء، والمجتمعات التخصصية، والفرق المؤسسية، والجهات المختلفة...

ماذا لو تكاملت الأدوار بصورة أوسع؟ وتبادلت الجهات الخبرات والتجارب الناجحة؟ وتحولت المعرفة المؤسسية إلى مورد مشترك يدعم جودة الأداء الحكومي؟

حينها لن نتحدث عن مبادرة مؤقتة، بل عن منظومة عمل وطنية أكثر نضجًا وتكاملًا.

وماذا لو تحولت نتائج أكثر من سبعين ورشة إلى قاعدة وطنية للأفكار والمبادرات؟ ماذا لو جُمعت المخرجات، وحُللت النتائج، واستُثمرت التجارب، وتم قياس التحولات الإيجابية التي حدثت على مستوى المؤسسات والأفراد؟ كم مبادرة تطويرية يمكن أن تنشأ؟ وكم تجربة ناجحة يمكن تعميمها؟ وكم فرصة يمكن أن تُخلق لتعزيز جودة الخدمات ورفع كفاءة الأداء الحكومي؟

حينها سيتحول "الفريق الحكومي الواحد" من مبادرة ناجحة إلى ثقافة وطنية مستدامة، ومن تجربة ملهمة إلى نهج عمل راسخ، ومن لحظة تفاعل إلى أثر يمتد عبر السنوات والأجيال. وسيصبح التكامل ثقافة عمل، والتعاون ممارسة يومية، والثقة عنصرًا أساسيًا في بيئة الأداء المؤسسي.

وحينها فقط، لن يكون "الفريق الحكومي الواحد" مجرد عنوان ملهم، بل واقعًا حيًا تتكلم فيه الدولة بلغة واحدة، وتعمل فيه المؤسسات بروح واحدة، ويتحول فيه الموظف إلى شريك فاعل في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 وصناعة المستقبل.

وربما عندها... لن نسأل: ماذا لو؟

بل سنقول بثقة واعتزاز: هذا ما بدأ يتحقق بالفعل.

** عضو في مجلس الشورى

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z