"قوة التفاوض" ودبلوماسية "صانع السجاد"

 

 

محمد بن رامس الرواس

"إن التفاوض الناجح هو الذي يحفظ كرامة الدولة، حتى إن لم يحقق كل مطالبها، والاتفاق الجيد ليس ما يُرضي الجميع، بل ما يمنع الخسارة الاستراتيجية" وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

******

بين أروقة مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، وحيث تتنفس مسقط عبق الورق والحبر، في الدورة التاسعة والعشرين لمعرض مسقط الدولي للكتاب الذي تم افتتاحه في الثالث والعشرين من أبريل 2025، كنتُ أحتفي بمولوديّ الأدبيين الجديدين: "ثلاثون من أخلاق القرآن" و"من الطوفان إلى الصفقة"؛ وما هي إلا يومان حتى وجدنا أنفسنا أمام مشهد دبلوماسي صامت، لكنه يضج بالمعاني المعرفية.

في مساء يوم الجمعة الخامس والعشرين من أبريل عند الساعة السابعة مساءً، وبينما كان المعرض يغص بمريديه من كل حدب وصوب، دخل معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، بهدوءٍ، وبصحبته وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بمعية مجموعة من الضيوف. مشهد اتسم بهدوء الدبلوماسية العُمانية الرصينة، اتجهوا مباشرة إلى "دار لبان"؛ حيث كانت الطاولة مُعدة لتدشين كتاب يحمل عنوان "قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية" الذي كتبه وزير الخارجية الإيراني عراقجي.

​وقَّع الوزير عراقجي نسخ الإهداء، وغادر بهدوء كما دخل، تاركًا خلفه ضجيجًا من نوع آخر؛ ضجيج التهافت على المعرفة.

توجهت في اليوم التالي لهذا الحدث الذي شهد إقبالًا كبيرًا لصديقي الأستاذ محمد الرحبي في "دار لبان" كانت الصدمة الإيجابية بانتظاري: "لقد نفدت النسخ جميعًا في يومين يا محمد، برغم أنها تجاوزت الألفين!"، وبعد حديث عن ليلة توقيع الكتاب وقبل أن أغادره ابتسم لي الرحبي حين شاهد خيبة أملي وأخرج لي نسخة كان قد احتفظ بها بعيدًا عن الأعين.

​بين جدران الفندق الذي كنت أقطنه بالخوير انتزعت الغلاف البلاستيكي وبدأت رحلتي في عقل رجل قضى عقودًا في أروقة السياسة الدولية.

قدم الوزير عراقجي التفاوض في كتابه كمهارة ناعمة وأداة قوة وطنية فطرح رؤية أن التفاوض ليس استسلامًا ولا ضعفًا، بل هو وسيلة لفرض المصالح وتقليل الخسائر وتحقيق النصر في زمن السلم، وقدم فلسفة عميقة تشرح كيف يدمج المفاوض بين القوة والمرونة، مستعرضًا عدة ركائز جوهرية منها ان قوة الدولة تعتبر كظهير قوي للمفاوض، ولقد شدد عراقجي على أن المفاوض البارع لا يستمد قوته من فصاحته فحسب، بل من قوة بلده العسكرية، والاقتصادية، والثقافية.

​وعرَّج الكتاب على أسلوب لأهل إيران يسمى "مساومة البازار"، وهنا يغوص الكاتب في الثقافة الإيرانية؛ حيث الصبر الطويل، والمناورة، وقراءة نفسية الطرف الآخر، وتحويل عملية البيع والشراء إلى فن من فنون الإقناع والضغط تمامًا كالسياسيين.

​كما تحدث الكتاب عن ثبات الجنان تحت النيران ويصف الكتاب المفاوض الناجح بأنه الذي يتحلى بالهدوء التام في ذروة الأزمات، ويمتلك القدرة على التدرج الذكي في تقديم التنازلات دون المساس بالجوهر.

ما يميز "قوة التفاوض" اليوم أنك تعايش اجزاء من تفاصيله في واقع التجربة الحية، ولقد سرد الوزير عراقجي كواليس المفاوضات النووية الشاقة مع القوى الكبرى، واصفًا إياها بأنها تشبه "اجتياز حقل ألغام، والكتاب يضعك في قلب الغرفة المغلقة، حيث التوترات الإنسانية، واللحظات الحرجة التي تسبق الاتفاقات الكبرى، وكيفية إدارة الضغوط الهائلة حين تكون مصائر الدول معلقة على نقطة أو فاصلة في نص دولي.

ختامًا.. سنخرج من كتاب الوزير عراقجي برسالة واضحة مفادها أن الدبلوماسية الناجحة ليست كلامًا معسولًا أو كلامًا للتسويق الإعلامي؛ بل هي مزيج معقد من القوة، والصبر، والذكاء العميق، إنها تشبه ساحة المعركة التي تتطلب حذرًا شديدًا وخططًا دقيقة.

​لقد نجح الوزير عراقجي في هذا الكتاب في أن يضع بين أيدينا مهارة كبرى في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء الذين يعرفون متى يشدون الحبل ومتى يرخونه، تمامًا كما تفعل أنامل صانع السجاد الإيراني الماهر.

الأكثر قراءة

z