محمد بن رامس الرواس
الوقوف في عرفَات لا يقاسُ بميزان الزمن، ولا يوزنُ بموازينِ الأرضِ، بل هي سويعات صيغت من نور إلهي باهر تتجلى في هذا الصعيدِ الطاهر وتسعد بنزول المولى عز وجل؛ حيثُ الأرواحُ تتخلص من أثقالِ أجسادِها، والقلوبُ تتحرر من علائقِ الدنيا، لتقفَ موقفَ الخاشعِ الذليلِ بين يدي الملك الجليل.
تأمل معي ايها الموفق هذا المشهدَ العظيم؛ جموعٌ زحفت تطلب رضى خالقُها، قد غسلوا قلوبهم بدموعُ التوبةِ، وطهرت أفئدتهم أنوار الرحمة، أناس من مشارب شتى لا يجمعهم نسبٌ ولا لغةٌ ولا تاريخ ولا وطن ولا لون، بل جمعهم نداءُ الإيمان، والصوتُ الخالد "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ"، هذا النداء العظيم الذي يهزُّ أركانَ الوجود، إنها عرفَة البقعةُ التي تشرئبُّ إليها أعناقُ أهلِ السمواتِ قبل أهلِ الأرض، ففيها ينزلُ المولى السميع البصير عزَّ وجلَّ نزولًا يليقُ بجلاله سبحانه.
يا له من تَجلٍ يُسطرُ بمدادٍ من نور، حين يباهي المولى عزوجل سبحانه وتعالى ملائكتَه المقربين بعبيدهِ الشعثِ الغبر، الذين جاءوا من كل فجٍ عميق، يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا، أيُّ كرامةٍ هذه التي تغمرُ العبدَ حين يسمعُ هذا الحديث الشريف؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم عرفة، إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم".
إنها واللهِ لحظات يزول فيها ماضي الذنوب لتبدأ رحلة القبول والتوبة والعهد الجديد للمؤمنين؛ ففي هذه الساعاتِ النادرة، تقترب المسافةُ بين الخالقِ والمخلوق؛ فالمولى قريبٌ، أقربُ من حبلِ الوريد، يسمعُ دبيبَ الخواطرِ قبل أن تتحولَ إلى كلمات، ويستجيبُ لزفراتِ الأرواحِ قبل أن تترجمها الألسنةُ بالدعوات. يا له من موقفٍ ليس له مثيل، لا في الأرضِ ولا في السماوات؛ حيثُ تتنزلُ الرحمات، وتُغشى القلوبَ سكينةٌ تجعلُ العبدَ الصادق يرى الدنيا كأنها حلمٌ زائل، ويرى الآخرةَ كأنها الحقيقةُ التي لا مريَةَ فيها فيتجه بكل جوانحه نحو الدعاء والتضرع لقيوم السماوات والأرض طالبًا المغفرة.
يا من وفقَّكُم الله للوقوف على صعيدِ عرفات إنكم في ضيافةِ الكريم المنان ذو الجلال والاكرام، فلا تخرجوا من رحابهِ إلا بقلوبٍ قد مُلئت باليقين، وأرواحٍ قد صُقلت بنورِ الإيمان. تزوّدوا من هذه الساعاتِ فإنها العمرُ الحقيقي والوقت الثمين للمؤمن، استمسكوا بحبلِ الرجاء، فمن وقفَ بعرفاتِ تائباَ بقلبٍ صادق، فقد نال الفوزَ الذي لا خيبةَ بعده، وفتحت له أبوابُ القربِ التي لا تُوصدُ أبدًا بإذن الله تعالى.
