◄ إنشاء المنطقة خطوة مهمة في مسيرة التحول الرقمي وتأسيس جديد لفلسفة الدولة الاقتصادية
◄ المرسوم السلطاني نقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي إلى إطار مؤسسي مكاني
◄ بناء الكفاءات الوطنية أولوية استراتيجية لإدارة المنطقة
الرؤية- سارة العبرية
يُؤكد الدكتور سعيد بن محمد الكلباني أخصائي خدمات رقمية ومدرب مُعتمد للذكاء الاصطناعي، أن المرسوم السلطاني بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في محافظة مسقط يُمثل لحظة تأسيسية مُهمة في مسيرة التحول الرقمي؛ مضيفا: "صدر المرسوم في توقيت مهم جداً والسلطنة بحاجة له، فهو ينقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي من إطار المبادرات المتفرقة إلى إطار مؤسسي مكاني يمتلك بيئة تشريعية وحوافز اقتصادية واضحة وتحت إدارة مركزية قادرة على التوجيه والدعم وفق الأولويات والنضج والحاجة، ومن جانب آخر تكمن أهمية المرسوم في أنه يفتح الباب أمام تشكيل منظومة متكاملة تجمع التشريع والبنية التحتية والاستثمار والكفاءات تحت سقف واحد، وهو تأسيس جديد لفلسفة الدولة الاقتصادية التي تتبنى الاقتصاد المعرفي".

ويوضح في -حوار خاص لـ"الرؤية"- أن هذا التوجه يضع السلطنة على مسار اقتصاد رقمي حقيقي، لكن في ظل التنافسية العالمية والإقليمية في هذا المجال فإن نجاح هذه الرؤية يتطلب الانتقال من مرحلة إنشاء المنطقة إلى مرحلة تشغيلها وفق استراتيجية واضحة المعالم، مؤكدا أنَّه يجب أن تراعي خطة التشغيل بند الواقعية من حيث الكفاءات الحالية والموارد وملفات التوظيف والمهارات المستقبلية المطلوبة، إذ إنَّ المنطقة يجب أن تكون مركزا بحثيا موجهاً للشركات الناشئة وأن تعمل وفق قواعد الأولويات دون الاكتفاء بالوثائق المغمورة.
ويقول الكلباني: "نحن أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة الاستهلاك للنماذج العالمية الجاهزة إلى مرحلة إنتاج نماذج عُمانية متخصصة تفهم اللغة العربية بلهجاتها وتُراعي السياق الثقافي والديني والاجتماعي للمجتمع العُماني والخليجي مع إمكانية تكييفها لخدمة الأفراد والمؤسسات وفق مبدأ السيادة التي تحمي البيانات والخصوصية".
ويضيف: "انطلاقاً من الحراك الكبير الذي سبق المرسوم السلطاني رقم (50/2026) من الجهات المسؤولة عن ملفات التدريب والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وبناء المهارات، فإنِّه يمكن القول بأنَّ بناء الكفاءات الوطنية التي ستُشغل هذه المنطقة المتخصصة وتديرها وتطورها هو هدف استراتيجي آخر ترتكز عليه المنطقة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، وهذا الهدف يتحقق على مرحلتين: الأولى بناء الكفاءات الوطنية لتشغيل المنطقة وتطويرها وإنشاء الشركات الناشئة التي تعمل على تسريع الابتكار وإيجاد الحلول تحت غطاء الحكومة، ولكن ليس بالاعتماد المطلق عليها؛ وهذا الترابط سوف يعمل على ترسيخ مكانة السلطنة كمركز إقليمي للابتكار، وبخاصة في وجود البنية التحتية التي أصبحت في مراحل النضج المُتقدمة، والثانية من خلال الشركات العالمية التي سوف تسهم في التنافسية ورفد القطاع باحتياجاته وممكنات نموه وتطوره".
ويرى الكلباني أنَّ المنطقة سُتسهم بفاعلية في تسريع التحول الرقمي الحكومي، خاصة إذا كان هناك تكامل حقيقي بين المنطقة والجهاز الإداري للدولة، مبينا: "أعني هنا التكامل الحقيقي الواقعي المبني على الموجود فعلاً لا على المأمول، وفي ذلك يمكن أن تكون المنطقة المركز البحثي والمختبر التطبيقي الذي تطور فيه حلول الذكاء الاصطناعي الحكومية قبل تعميمها والتي فيها تعالج التحديات وتكشف مواطن القصور وحتى تتنبأ وتستشرف المستقبل في هذا المجال، وأن تكون الحاضنة التي تنتج الشركات الناشئة المتخصصة في الخدمات الذكية الموجهة للقطاع العام".
كما يشير إلى أنَّ من عوامل نجاح المنطقة كمساهم في التحول الرقمي الحكومي، هو الانتباه لتحدٍّ حقيقي تواجهه المؤسسات الحكومية وربما هو عائق أمام تسريع التحول الرقمي أو على الأقل الانتقال بين مستوياته التي يدخل عليها الذكاء الاصطناعي، وهو تحدي البيانات التي تشكل المكون الرئيسي وعصب الذكاء الاصطناعي، موضحاً أنَّ واقع البيانات في كثير من المؤسسات يتسم بالوجود الجزئي؛ أي أن البيانات موجودة لكنها غير مكتملة، إلى جانب غياب التنظيم والترابط بين الأنظمة المختلفة داخل المؤسسة الواحدة وبين المؤسسات، وكذلك لا تزال ثقافة العمل بالبيانات في طور التشكل في بعض المؤسسات؛ وتتخذ كثير من القرارات اعتمادا على الخبرة الشخصية والتقدير الإداري دون رجوع منهجي إلى البيانات.
ويعتبر الكلباني أن نجاح المنطقة في تسريع التحول الرقمي الحكومي مرهون بترسيخ مفهوم "القيادة بالبيانات"، والتي تُعد نهجا إداريا متقدما يقوم على أن القرار المؤسسي المبني على تحليل البيانات الموثوقة، ويقاس الأثر ويصحح المسار بها، مضيفاً أنَّ السلطنة قبل مرسوم منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة حققّت قفزات إيجابية كبيرة في كثير من المؤشرات العالمية، مع توقعات بمزيد من القفزات الإيجابية في عدة مؤشرات دولية كمؤشر الحكومة الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة ومؤشر جاهزية الشبكات ومؤشر الابتكار العالمي، إذ إن وجود منطقة متخصصة بمنظومة تشريعية وحوافز واضحة يعتبر ممكن للتنافسية، ويرسل إشارة قوية للمراقبين بأن السلطنة تتبني الجدية في الانتقال إلى الاقتصاد المعرفي.
ويشدد الكلباني على ضرورة التأكيد أن تحقيق التنافسية من خلال الأرقام ليس هدف رئيسي، ولكن الهدف يتمثل في الابتكار والواقع الفعلي الذي تخرج منه الأرقام وترافقها حركة المؤشرات، وأن هذا لا يتحقق أو على الأقل لا يظهر بصورة واضحة ومتماسكة إلا من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والتشريعات والكفاءات والبيانات وثقافة الابتكار، وأنه رغم تحقق عدد من مكونات هذه المنظومة إلا أن ذلك لا يغني عن التقييم المستمر والتحليل المبني على الواقع، مبينا أنه من الضروري إيجاد منهجية استراتيجية تراعي تطور التقنيات الناشئة والعمل في المنظومة الإدارية وفق مسار واضح للانتقال بين مراحل التحول الرقمي.
ويؤكد: "إذ حدثت هذه الأمور فإننا سنشهد تحولا جوهريا في مؤشر التنافسية، لأن التحول بُني وفق أسس علمية وواقعية وناضجة وبتقنيات لها تأثيرها في العمل، والتي بدورها سوف تدفع للنمو والابتكار، وكل ذلك بكفاءات وطنية في القطاع الحكومي أو الخاص، ومع النضج الكبير سوف تشق طريقها بالابتكار إلى الأسواق العالمية والإقليمية ناقلة سلطنة عُمان من دولة مستفيدة من الذكاء الاصطناعي إلى دولة مساهمة في صناعته وتصديره".
وفيما يخص دور المنطقة في جذب الاستثمارات والشركات العالمية، يقول: "تجدر الإشارة إلى عاملين مهمين ومؤثرين في الجاذبية، الأول هو وجود البيانات والكفاءات البشرية داخل السلطنة؛ فالشركات الكبرى لا تأتي لأن الحوافز جيدة فقط، فهي تبحث عن منظومة متكاملة ومن مكوناتها البيانات التي تعمل عليها وكوادر تستطيع تشغيل المشاريع وتطويرها، أما العامل الثاني هو التسويق الذكي، وهو ببساطة أن نخرج من العملية التقليدية والمتمثلة في العرض وننتظر الطلب؛ فيجب علينا أن نذهب نحن إلى الشركات الكبرى بعروض مدروسة تخاطب احتياجاتها تحديداً دون الاكتفاء بالدعوات العامة؛ لأن الاستثمار في ظل التنافسية العالمية يجلب بالاستهداف الدقيق الذكي لا بالانتظار".
وأوضح الدكتور سعيد أن السوق في السلطنة مصدر تنافسي؛ لأنه لايزال في طور التشكل والسعي نحو النضج، وهذا يعني أن الاستفادة أكيدة من منطقة الذكاء الاصطناعي التي تعد حاضنة تنتج الحلول والشركات والكفاءات، وعلى سبيل المثال قطاع التعليم وخاصة بعد الدمج الأخير بين وزارتي التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي في وزارة واحدة وهي وزارة التعليم، يمكن أن تشكل المنطقة مصدر جذب للشركات العالمية التي سوف تأتي أو تطور منصات التعلم التكيفي التي تخصص المسارات التعليمية لكل طالب وفق قدراته، أو تقدم أنظمة التقييم الذكية والمساعدات الافتراضية للمعلمين والطلبة، كما أنه هناك فرص بناء شراكات بحثية بين المنطقة والمؤسسات التعليمية لتطوير نماذج وأنظمة عمانية مصممة للسياق المحلي تعمل على تحليل السوق والمهارات والقدرات للطلبة في السلطنة وتحدد أنسب التخصصات للدراسة أو تقترح وتخصصات ومقررات حسب حاجة السوق".
وفيما يتعلق بقطاع الصحة، يؤكد الكلباني أن هذا القطاع سيُحقق الاستفادة عبر استضافة المنطقة لشركات تطور وتبتكر حلول التشخيص الذكي وتحليل الصور الطبية، عبر توفير بيئة آمنة لاستضافة البيانات الصحية الحساسة بمعايير سيادية، كما يمكن الاستفادة من هذه المنطقة من خلال إجراء الاختبارات المتقدمة بالشراكة مع الشركات المحلية أو العالمية لتطوير الأدوية والتقنيات الحديثة حسب ما يتناسب مع القطاع".
ويتابع قائلا: "أما على مستوى قطاع الطاقة فإنه يستفيد من احتضان المنطقة لشركات متخصصة في إدارة شبكات الطاقة والصيانة التنبؤية وتحسين كفاءة الإنتاج، خصوصاً مع توجه السلطنة نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وفي القطاع المالي والمصرفي، ستكون المنطقة بيئة مناسبة لاستضافة شركات تقنية مالية تستفيد من الحوافز والإطار التشريعي المرن، كما أن وجود شركات الأمن السيبراني وتطوير الحلول الأمنية يمكن أن يكون مصدر يستفيد منه القطاع المالي والمصرفي في إدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال وتطوير الخدمات الرقمية".
ويشير الدكتور سعيد بن محمد الكلباني إلى أن سلطنة عُمان تهتم بالحفاظ على حماية البيانات والخصوصية، وذلك بالتركيز على الحماية قبل التوسع وليس العكس، ويظهر ذلك من خلال عدد من الأطر المرتبطة بحماية البيانات وحوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي نشرتها المؤسسات المسؤولة عن ملف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، كما أن التوجيهات حول تكييف الأطر حسب خصوصية وطبيعة كل المؤسسات يعد مؤشر على فهم المجال ومحاولة دقيقة لتحقيق الضبط بالمرونة، مضيفا: "لكن لنجاح هذا الجانب واستدامته ولتحقيقه بشكل عملي تستدعي الحاجة إلى العمل على منظومة من الطبقات كالطبقة التشريعية التي تضع القواعد العامة وتترجمها إلى لوائح تنفيذية واضحة داخل المؤسسات، والطبقة التقنية التي تشمل أدوات كالتشفير وإخفاء الهوية ومرشحات البيانات الحساسة، بالإضافة إلى ما يعرف بـ"التعلم الفيدرالي" من البيانات والذي يفرض السيادة للمؤسسة على بيانتها؛ حيث يتم تدريب النماذج على البيانات محليا في المؤسسة دون نقلها لمصدر خارجي، كما أن الطبقة الأهم هي الثقافية التي تعتمد على توعية الموظفين والمستخدمين بحقوقهم وواجباتهم تجاه البيانات والالتزام وعدم التساهل في تطبيق الأطر والضوابط وعدم الاندفاع نحو التقنية بدون وعي والاحساس بالمسؤولية تجاه حماية البيانات والخصوصية، وبشكل عام يمكن القول بأن التوازن بين التوسع والحماية، يتطلب الانتقال إلى عقلية القيادة بالبيانات التي تدرك أن البيانات أصل استراتيجي عالي القيمة يستحق الاستثمار والحماية معاً".
ووجه الكلباني رسالة للشباب العُمانيين: "ابدأوا الآن ولا تنتظروا اكتمال صورة الذكاء الاصطناعي؛ لأنه تقنية يمكن القول عنها وليده وتخصصاتها في تطور ولا تعترف بالتخصص الواحد وإنما بتهجين التخصصات ودمجها وتجميع المهارات والمعارف، وأقصد بذلك بأن الذكاء الاصطناعي في التعليم مثلاً يتطلب فهم التعليم، وكذلك في الصحة يتطلب فهماً للصحة وهكذا مع سائر التخصصات، كما أوجههم نحو الاستثمار في الأساسيات قبل الأدوات العامة؛ لأن احتراف الرياضيات والإحصاء والبرمجة وفهم البيانات أهم بكثير من إتقان أداة محددة تعمل على تأطير جهدك ومهاراتك وتطلعاتك، وأهم ما أرشدهم له هو السعي الجاد نحو تخصيص الجهد والمهارات والتعلم في توطين الذكاء الاصطناعي، فهذا هو الميدان الذي يخلق الميزات التنافسية والقيمة في الأعمال وهو في الشكل العام ما تحتاجه السلطنة لتحقيق رؤيتها، ويجب التعامل مع البيانات باحترام وخصوصية مع التحلي بالمسؤولية تجاهها فلا تغركم رنين الأدوات التقنية على وتر الفائدة، واعلموا أن البيانات مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تقنية".
