الطليعة الشحرية
ليست سلطنة عُمان دولةً يمكن فهم سياستها الخارجية عبر نشرات الأخبار وحدها، ولا عبر اللغة السريعة التي تنتجها مراكز العلاقات العامة في العواصم الطارئة على الجغرافيا؛ فالدور العُماني لم يتشكَّل من فائض ثروة مُؤقت، ولا من قاعدة عسكرية، ولا من لحظة صعود مُرتبطة بسوق الطاقة؛ بل من تراكم طويل صنعته الجغرافيا والبحر والذاكرة السياسية القاسية لمنطقة لا ترحم من يسيء فهمها.
ولهذا تحديدًا، تبدو عُمان أحيانًا أقل اندفاعًا من غيرها، وأقل حماسة لاستعراض العضلات، وأقل رغبة في تحويل كل أزمة إلى منصة خطابية أو مناسبة لتوزيع التهديدات. غير أنَّ الفرق بين الدول العميقة والدول المتعجلة، أن الأولى تفكر بما سيبقى بعد انتهاء العاصفة، بينما تنشغل الثانية بكيف ستبدو أثناء العاصفة.
الدور العُماني لا يُمكن اختزاله بوصفه مجرد تفضيل دبلوماسي حديث للحياد أو الوساطة؛ بل هو حصيلة تراكم طويل من التاريخ البحري، والجغرافيا الممتدة بين الخليج وبحر عُمان والبحر العربي، وبنية اجتماعية تعلمت إدارة الندرة والتعدد والتواصل أكثر مما تعلمت إدارة الهيمنة الصلبة. ولهذا لا تتحرك عُمان، في أصل منطقها الاستراتيجي، بمنطق "المركز" الذي يسعى إلى احتكار الممرات أو إخضاع المجال؛ بل بمنطق "الشبكة" الذي يقوم على إبقاء الطرق مفتوحة، والعلاقات متعددة، والقنوات قائمة حتى في ذروة الصراع.
وهذا ما يفسر تلازُم 3 عناصر في النهج العُماني: الحذر، والانفتاح، والحرص على أن تبقى الدولة جزءًا من كل معادلة دون أن تختزل نفسها داخل معسكر واحد؛ فالدول التي عاشت طويلًا على البحر تدرك أن الممرات لا تُدار بالصوت المرتفع؛ بل بالقدرة على إبقائها قابلة للحركة حين يفشل الجميع.
لكن العمق نفسه الذي يمنح عُمان خصوصيتها يفرض عليها أيضًا حدودًا صارمة لا يمكن تجاهلها؛ فالدولة التي ترى نفسها مسؤولة عن استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والتي بَنَتْ نفوذها الحديث على الثقة لا على الإكراه، لا تستطيع أن تتصرف بعقلية إمبراطورية موسمية، ولا أن تتحمل كلفة مغامرة عسكرية مفتوحة. كما أن موقعها البحري يمنحها بدائل لوجستية مُهمة، لكنه لا يعفيها من صدمات الإقليم وأسعار الطاقة، ولا من حقيقة أن المساحات الرمادية في الدبلوماسية تصبح أضيق حين تُستهدف الأراضي مباشرة أو تُغلق الممرات أو ترتفع كلفة التوازن الاقتصادي والأمني.
ومن هنا فإنَّ حدود الدور العُماني ليست ضعفًا طارئًا؛ بل جزء من تعريف ذلك الدور نفسه؛ فالدول التي تعرف وزن الجغرافيا لا تتعامل معها بوصفها منصة استعراض؛ بل بوصفها مسؤولية طويلة الكلفة.
كلما ازداد عمق الدولة تاريخًا وجغرافيا ومجتمعيا، صار نهجها الخارجي أقل قابلية للاختزال في الشعارات الآنية. وفي الحالة العُمانية، يتحول التاريخ البحري إلى حساسية تجاه انقطاع الطرق، وتتحول الجغرافيا إلى التزام بعدم تحويل الممرات إلى ساحات كسر إرادات، بينما تتحول التعددية الاجتماعية والدينية والمؤسساتية إلى ميلٍ ثابتٍ نحو الصياغات التوافقية.
ولهذا فالدور العُماني ليس “حيادًا سلبيًا” كما تتخيله بعض القراءات السطحية؛ بل مسؤولية تاريخية نشأت من موقع جغرافي وتجربة حضارية طويلة. غير أنَّ هذه المسؤولية ليست مُطلقة؛ فالاقتصاد والحجم العسكري والضغط الخارجي يضعون جميعًا سقفًا عمليًا لقدرة الدولة على ترجمة أخلاق الشبكة إلى سياسات ناجزة في كل ظرف.
المفارقة أنَّ بعض الدول الأحدث تشكُّلًا لا تفهم هذا المنطق أصلًا؛ فهي تقرأ القوة بمنطق التكوين السريع؛ قاعدة هنا، وميناء هناك، وصفقة سلاح تُعرض أكثر مما تُستخدم، وحملة إعلامية تتحدث عن "قرن جديد". وهي تتصرف أحيانًا كما لو أن الإمبراطوريات يمكن تصنيعها خلال عقدين من الطفرة المالية أو عبر شراء دور تاريخي جاهز.
غير أن الطرق البحرية لا تعترف بالضجيج؛ بل بالذاكرة الطويلة للدول التي عاشت عليها قبل أن تتحول خرائط النفط إلى نشرات اقتصادية. ولهذا فإنَّ عُمان، التي سبقت كثيرًا من هذه الكيانات إلى البحر قبل أن تكتشف الأخيرة معنى الدولة أصلًا، تفهم أن النفوذ ليس استعراضًا للقوة بقدر ما هو قدرة على البقاء داخل المعادلة بعد أن تنتهي موجات الصعود المؤقت.
إذا نُظِر إلى عُمان في المدى الطويل، فإنها لا تظهر كدولة برية تملك ساحلًا؛ بل كمجتمع بحري متصل بالمحيط الهندي وشرق أفريقيا وآسيا؛ فالعلاقة العُمانية بالبحر تمتد لآلاف السنين، والتجار العُمانيون كانوا يعبرون الممرات البحرية منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، قبل أن تتحول كثير من العواصم الحديثة إلى مجرد نقاط على خرائط شركات الطاقة.
ولم تكن رياح "المونسون" بالنسبة للعُمانيين مجرد ظاهرة مناخية؛ بل نظام تاريخي للحركة والتجارة والإقامة الموسمية. ولهذا أدت مسقط دور عقدة وصل بين الخليج والعالم المحيطي الأوسع، لا بوصفها محطة طرفية؛ بل بوصفها نقطة عبور وإعادة توزيع.
وهذا الخط الزمني الطويل يُفسِّر لماذا لا تفكِّر عُمان بعقلية الدولة المُحاصَرة داخل حدودها البرية؛ بل بعقلية الدولة التي تشكَّلت عبر الحركة البحرية والانفتاح على الممرات؛ فالدول التي يصنعها البحر تتعلم مبكرًا أن البقاء لا يتحقق عبر الإغلاق؛ بل عبر القدرة على إدارة العبور.
وفي التاريخ السياسي أيضًا، لم تتكون عُمان حول مركز قاري مُغلق؛ بل حول امتداد بحري طويل الغرض. فمن مقاومة البرتغاليين وطردهم من مسقط في القرن السابع عشر، إلى الامتداد نحو شرق أفريقيا وزنجبار، تشكَّلت الخبرة العُمانية داخل شبكة مُعقَّدة من التجارة والملاحة والسياسة.
غير أنَّ هذا الامتداد لا ينبغي تجميله بوصفه حكاية رومانسية عن التجارة والتسامح فقط؛ فالتاريخ البحري- ككل التواريخ الكبرى- يحمل داخله الصراع والمنافسة وتداخل النفوذ والمصالح. وهذه النقطة بالذات هي ما لا تدركه بعض الكيانات الجديدة التي تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة دعائية يمكن شراؤها، بينما هو في الحقيقة تراكم طويل من التفاوض والصراع والخسائر والتعلُّم.
الجغرافيا العُمانية ليست مجرد "موقع مُميَّز" كما تكرر الكُتيِّبات السياحية؛ بل تركيب استراتيجي شديد التعقيد؛ فالسلطنة تمتد بين الخليج وبحر عُمان والبحر العربي والمحيط الهندي، وتشرف عبر مسندم على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويمُر عبر هرمز يوميًا قرابة عشرين مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم. وهذه الأرقام لا تجعل هرمز ممرًا يجاور عُمان فحسب؛ بل تجعل عُمان جزءًا من البنية العالمية لأمن الطاقة.
لكن القيمة العُمانية لا تقوم على هرمز وحده؛ بل على نظام موانئ موزع يُخفف من منطق "العنق الواحد"؛ فموانئ صحار وصلالة والدقم والسلطان قابوس في مطرح، ليست مجرد مشاريع اقتصادية؛ بل ترجمة لفهم استراتيجي قديم يقول إنَّ الدولة التي تعتمد على منفذ واحد تصبح رهينة لأي اختناق.
ولهذا تبدو الدقم، مثلًا، أكثر من مجرد ميناء جديد؛ إنها محاولة للابتعاد عن منطق الحصار الجغرافي إلى منطق المحيط المفتوح. بينما يُمثِّل ميناء صلالة نموذجًا لدولة تفهم أن النفوذ البحري لا يُبنى بالشعارات؛ بل بالقدرة على التحول إلى عقدة حقيقية داخل التجارة العالمية.
أما بعض الدول التي تتعامل مع الموانئ باعتبارها زينة جيوسياسية أو أدوات استعراض، فتكتشف متأخِّرةً أن رفع الأعلام فوق الأرصفة لا يكفي لصناعة دور تاريخي.
إذا كان البحر يُفسِّر جانبًا من الشخصية الاستراتيجية العُمانية، فإن الداخل الاجتماعي يُفسِّر جانبًا آخر لا يقل أهمية، فالدولة العُمانية الحديثة لم تُبنَ على محو البنى التقليدية بالكامل؛ بل على إعادة دمجها وتنظيمها داخل الدولة. ولهذا ظلت عُمان تميل إلى الدمج لا الإلغاء، وإلى التنظيم لا القطيعة؛ فالمجتمع الذي تعلَّم عبر قرون طويلة التفاوض على الماء والموارد والقبيلة والمذهب، يصعب أن يتحول فجأة إلى مجتمع يقوم على الإقصاء الحاد أو الثنائيات الصفرية.
كما أن العامل الديني والحضاري عمَّق هذا المسار؛ فالتجربة العُمانية، بحكم تشكُّلها التاريخي الطويل، طوَّرت فهمًا دينيًا واجتماعيًا يميل إلى التوازن الى ترسيخ فكرة التوازن والابتعاد عن الانفعالات السياسية الحادة. وفي الوقت نفسه، حافظ المجتمع العُماني على قدرة ملحوظة على استيعاب التنوع الديني والثقافي المرتبط بطبيعته البحرية والتجارية المنفتحة.
ومن هنا يصبح مفهومًا لماذا تبدو السياسة العُمانية أقل ميلًا إلى التصعيد وأكثر ميلًا إلى إدارة التناقضات؛ إذ إن الدولة التي بَنَتْ استقرارها على التوازن الداخلي لا تستطيع بسهولة أن تتحول إلى ماكينة استقطاب خارجي. وتنعكس هذه الخلفية التاريخية والجغرافية والحضارية بوضوح في السياسة الخارجية العُمانية؛ فعُمان لا تبحث عن بنية أمنية تفضّل مصالح قوة واحدة؛ بل عن توازن يسمح للجميع بالبقاء داخل المعادلة.
ولهذا فإن الحياد العُماني ليس عزوفًا عن الفعل، ولا برودة سياسية كما يتخيَّل البعض؛ بل حياد وظيفي يهدف إلى إبقاء المنطقة قابلة للتنفس، وهو منطق يقوم على أن استقرار الممرات أهم من تحويلها إلى ساحات استعراض للقوة.
هناك دول تتخيل أن الإمبراطورية تبدأ من امتلاك ميناء، أو من رفع علم فوق جزيرة، أو من بناء قاعدة عسكرية تتصدر نشرات الأخبار؛ وهي قراءة شائعة لدى الكيانات التي دخلت التاريخ مُتأخِّرة، فظنَّت أنَّ النفوذ يمكن ضغطه داخل صفقة سلاح أو عقد لوجستي.
أما عُمان، التي عاشت على إيقاع البحر والممرات لقرون طويلة، فتفهم أن السيطرة المطلقة على الممرات وَهْمٌ قصير العمر، وأن أكثر الدول استعجالًا للهيمنة تكون غالبًا أقلها قدرة على احتمال كلفتها.
ومع ذلك، فإن تحويل الدور العُماني إلى أسطورة مكتفية بذاتها سيكون خطأً لا يقل سذاجة عن سوء فهمه؛ فالدبلوماسية مهما بلغت مرونتها لا تستطيع تجاوز حدود الاقتصاد والجغرافيا والقدرة العسكرية.
عُمان، رغم نجاحها في تحسين أوضاعها المالية وتطوير بنيتها اللوجستية، ما تزال مرتبطة بحساسية الإقليم وأسواق الطاقة العالمية. كما أن موقعها البحري، الذي يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة، يضعها أيضًا في قلب أي اضطراب محتمل في الخليج أو هرمز.
ولهذا فإن الحياد العُماني ليس ترفًا أخلاقيًا؛ بل عملية توازن دقيقة ومكلفة. وهو ما لا تدركه بعض الدول التي تتعامل مع السياسة بوصفها موسمًا دائمًا لاستعراض العضلات، قبل أن تكتشف لاحقًا أن الجغرافيا لا تُدار بالحماسة وحدها.
ومن هنا يمكن فهم سوء القراءة الذي تمارسه بعض الدول الأحدث تشكلًا تجاه عُمان. فهي تنظر أحيانًا إلى التوازن بوصفه غموضًا، وإلى الحذر بوصفه ترددًا، وإلى الوساطة بوصفها ضعفًا مقنعًا. غير أن هذا الحكم نفسه يكشف الفرق بين دولة تشكلت عبر قرون طويلة من إدارة الممرات والتناقضات، ودول ما تزال تتعامل مع النفوذ بوصفه حملة علاقات عامة طويلة ومكلفة.
وفي النهاية، لا تبدو عُمان متحمسة للعب دور الإمبراطورية، ليس لأنها تجهل غواية القوة؛ بل لأنها تعرف، بحكم خبرتها الطويلة، أن أكثر الكيانات استعجالًا للهيمنة هي غالبًا أقلها قدرة على البقاء.
التاريخ لا يُوزِّع أدوار الإمبراطوريات عبر المؤتمرات الصحفية، ولا عبر فائض الثروة المؤقت، ولا عبر ضجيج المنصات الإعلامية. ولهذا تميل الدول العميقة إلى الحذر من غواية التسلطُن، لأنها تعرف أن الخرائط التي تُرسم بسرعة… تُمحى بالسرعة نفسها.
