ملحمة الصمود

 

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

​تنتصب قلعة الشقيف أو ما تسمى بالغرب (بقلعة بوفور) شامخة فوق تلة جبلية مرتفعة في جنوب لبنان، ليس فقط كمعلم أثري يحكي قصص العصور التاريخية الفائتة، بل كشاهد يسجل الملاحم والبطولات على مدار الأيام والشهور والسنين، تقع هذه القلعة الاستراتيجية في محافظة النبطية، وتطل من ارتفاع يزيد عن 700 متر على نهر الليطاني وسهل مرجعيون، مما جعل منها موقعًا عسكريًا طبيعيًا يتحكم في مسالك حيوية تطل على أجزاء واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، هذا الموقع الجغرافي الفريد جعلها دائمًا موقعًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه.

 في يونيو 1982 تحول المكان إلى مسرح لملحمة صمود كبرى ستظل محفورة في ذاكرة الصراع الفلسطيني اللبناني مع اسرائيل، لقد كان ما حدث في هذه المعركة يشبه قصص اساطير البطولات التي لم تعد موجودة في هذا الزمن، لكنها حدثت بالفعل وتم توثيقها.

​في السادس من يونيو 1982، وقبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ضربت قلعة الشقيف موعدًا مع التاريخ، كان التقدير العسكري الإسرائيلي يرى في القلعة عقبة أمام تقدم دباباتهم، فقرروا حشد قوة ضاربة لتصفية هذا الموقع ومن فيه من رجال المقاومة، فانطلقت عملية الاقتحام بمشاركة نخبة قوات الاحتلال ممثلة في لواء غولاني وقوات الكوماندوز، مدعومة بتغطية جوية ومدفعية كثيفة، يشير الأرشيف الاسرائيلي إلى أن القوة المهاجمة تجاوزت 1200 جندي مدججين بأحدث الأسلحة والعتاد الثقيل، في المقابل، لم يكن داخل القلعة سوى 27 مقاتلًا فقط، ضم ثلة من المناضلين الفلسطينيين واللبنانيين، إلى جانب مقاتل مصري واثنين من اليمن، لم يكن لديهم إلا أسلحة خفيفة وبعض القنابل اليدوية وقاذفات "الكاتيوشا" البدائية التي استخدموها في الميدان.

​على مدار 60 ساعة متواصلة، سطر هؤلاء المقاتلون واحدة من أروع ملاحم الاستبسال البطولي في التاريخ المعاصر، لقد فشل الهجوم الإسرائيلي الأول حينما حاول لواء غولاني اقتحام القلعة في البداية، فاجأهم المدافعون بنيران كثيفة ومباشرة أدت إلى إصابة قائد المجموعات المهاجمة، مما أوقف الإسرائيليين وأجبرهم على التراجع والطلب المتكرر للتعزيزات، تحولت القلعة إلى قلعة من نار عند الالتحام بعد ذلك، حيث واجه المقاتلون القوة الإسرائيلية الهائلة بصلابة أذهلت المعتدين وهذا بشهادة الإسرائيليين أنفسهم (بعضهم لا يزال إحياء وشهادتهم موثقة ) الذين وجدوا بعض المقاتلين من القلعة عند الالتحام المباشر أمامهم وجها لوجه على مسافة أمتار فقط مما أرعبهم وأربكهم فلم يكونوا يتصورا ذلك.

تمكن المقاتلون بالقلعة خلال المعركة من إسقاط طائرة حربية إسرائيلية (سكاي هوك) بالإضافة إلى إسقاط مروحيات كانت تحمل ضباط قيادة، وهو ما شكل صدمة نفسية وعسكرية كبيرة للجيش الإسرائيلي، ومع كل محاولة اقتحام كان يشنها جنود النخبة الإسرائيليون، كانت تصطدم بجدران الصمود والرد النوعي الذي كبد المهاجمين خسائر فادحة في الأرواح والعتاد كانت تحصينات القلعة مكونة من خنادق ودشم وبنية صخور القلعة القوية التي تشبه صلابة قلوب المناضلين الـ27، مما اضطر جيش الاحتلال لاستخدام كثافة نيرانية غير مسبوقة في محاولة يائسة لكسر طوق المقاومة.

كانت مجموعة المقاومة برغم قلة عددهم مقسمة إلى مجموعات متمركزة في مواقع تم إعدادها مسبقًا، مما سمح

​بالمناورة بالذخيرة وضمان استمرارية القتال فترة طويلة حيث تم تأمين مخازن سلاح وتوزيعها داخل القلعة لتفادي انقطاع الإمداد أثناء القصف، هذا بجانب التواصل المعنوي حيث كانت شبكة الاتصال اللاسلكي تعمل بكفاءة عالية، وكان يتم تبادل الرسائل التي رفعت من معنويات المقاتلين وربطتهم بغرفة العمليات في بيروت حتى اللحظات الأخيرة.

​لم تكن المعركة مجرد اشتباك عسكري، بل كانت صراع إرادات؛ إرادة احتلال يريد فرض سيطرته، وإرادة مقاوم يرفض الانكسار. لم يستسلم أحد من هؤلاء الأبطال، ولم يرفع أي منهم الراية البيضاء، بل قاتلوا بشراسة حتى آخر رصاصة، وقدموا أرواحهم شهداء وهم يدافعون عن القلعة، ليتحول كل شبر فيها إلى شاهد عيان على عزيمة لا تلين.

​إن معركة قلعة الشقيف لم تكن مجرد حدث عسكري يمكن ان يمر مرور الكرام في مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل هي درس في العقيدة القتالية وقوة الإيمان بحق الارض والمكان والزمان، لقد أثبت ابطال معركة الشقيف بأسلحتهم البسيطة وإرادتهم الصلبة، أن موازين القوى المادية يمكن أن تتحطم أمام صخرة الإصرار والتضحية.

​ستظل قلعة الشقيف رمزًا للكرامة الفلسطينية، ومنارة لكل مقاوم يبحث عن الحرية، وتذكيرًا للأجيال بأن هناك رجالًا اختاروا الموت بشموخ فوق صخور تلك القلعة الشامخة على أن يحيوا منكسرين تحت وطأة الاحتلال، إنها ببساطة واحدة من روائع الاستبسال التي لا يمكن للزمن أن يمحوها، أو للذاكرة أن تنساها.

الأكثر قراءة

z