حين نُشكِّك في العلم ونفقد اليقين.. "نظام الطيبات" نموذجًا

 

 

 

 

د. هبة العطار

لم يكن الجدل مجرد نقاش عابر على منصات التواصل الاجتماعي، ولم يكن الحديث عن نظام غذائي جديد يُدعى "نظام الطيبات" مجرد "ترند" عابر، لكن ما حدث كان أبعد من ذلك بكثير، شيئًا فشيئًا بدأ الطعام نفسه يتحول إلى سؤال مفتوح، واليقين الغذائي الذي عاش عليه الناس لسنوات طويلة، صار موضع مراجعة، ثم موضع شك، ثم موضع جدل لا ينتهي!

وبين منشور وآخر وفيديو وآخر، تشكَّلت حالة عامة من الارتباك الهادئ، لم تعد فيها المعلومة واضحة كما كانت، ولم يعد فيها المعتاد آمنًا كما كان يبدو، وكأنَّ كل ما نعرفه عن الغذاء فجأة أصبح قابلا لإعادة النظر، ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي… كيف يتحول ما نأكله إلى مصدر قلق بدل أن يكون مصدر طمأنينة؟!

في لحظات الاضطراب، يميل الإنسان إلى البحث عن إجابة حاسمة تنهي حالة القلق، وهذا ما حدث مع الجدل الواسع حول وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي؛ حيث لم يعد النقاش مُقتصرًا على سبب الوفاة؛ بل امتد ليشمل منظومة كاملة من الأفكار التي كان يطرحها، وتحولت من اجتهاد شخصي إلى مرجعية عند البعض.

ومن هنا تبدأ الأزمة الحقيقية، حين يتحول الترند إلى مصدر يقين، ويصبح الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيرًا لا الأكثر دقة، فتتداخل المشاعر مع المعلومات، ويتحول الخوف إلى عدسة نرى من خلالها كل شيء، حتى أبسط تفاصيل حياتنا اليومية مثل الطعام، فنجد أنفسنا فجأة نشك في كل ما اعتدنا عليه، ونعيد تقييم أبسط ما كان يمثل لنا بديهيات، وكأننا نقف أمام عالم جديد لا نملك مفاتيح فهمه بالكامل.

وحين أكتب عن هذا الموضوع، فإنني أؤكد أنِّي لستُ طبيبةً، ولا أتحدث من موقع التخصص المباشر، لكنني أنتمي إلى أسرة معظم أفرادها يعملون في مجالات مختلفة من الطب، وهو ما جعل النقاشات العلمية جزءًا أصيلًا من تكويني ووعيي، علاوة على خلفيتي الأكاديمية التي أعتزُ بها، وبجانب كوني قارئة مهتمة بكل ما يتعلق بصحة الجسد ووظائفه. وهذا يضعني في مساحة وُسطى، ليست مساحة إصدار أحكام طبية، ولكن مساحة فهم وتحليل، ومحاولة للتمييز بين ما يستند إلى العلم وما يقوم على الانطباع أو التعميم أو الطرح غير المدقق، مع تأكيد مهم على أن مرجعيتي الأساسية هي العِلم لا سواه، وأن طريقة تفكيري تقوم على المنطق العقلي، واحترام البحث العلمي الدقيق، وما تتوصل إليه الدراسات والأبحاث في مختلف المجالات، وعلى رأسها الطب.

فكرة أن الإنسان طبيب ذاته قد تبدو جذَّابة، لأنها تمنح الفرد إحساسًا بالسيطرة على جسده، لكنها في واقع الأمر تحتاج إلى قدر كبير من الوعي حتى لا تتحول إلى فخٍ؛ فالجسد الإنساني لا يعمل بطريقة مباشرة يمكن فهمها من خلال الملاحظة السطحية فقط، بل هو منظومة معقدة تتداخل فيها عوامل كثيرة، وقد يربط الإنسان بين طعام معين وعرض معين، بينما يكون السبب الحقيقي في مكون آخر، أو في طريقة التصنيع، أو في مواد حافظة، أو حتى في توقيت التعرض أو الحالة المناعية، وهنا يصبح العلم ضرورة لفهم ما يحدث، لا مجرد خيار إضافي، لأن التفسير الخاطئ قد يقود إلى قرارات خاطئة حتى لو كانت النية فيها البحث عن الصحة.

وفي بعض النماذج التي تظهر على الساحة، يحدث نوع من التصادم بين الخطاب الفردي والخطاب العلمي المؤسسي، حين يتم تقديم اجتهادات غذائية أو علاجية باعتبارها بدائل كاملة لما استقر عليه العلم عبر سنوات طويلة من البحث والتجربة. وهنا يصبح الإشكال ليس في طرح فكرة جديدة، فالعلم في جوهره قائم على التطور وإعادة الفحص المستمر، ولكن في تحويل هذه الفكرة إلى يقين مطلق يتجاوز المؤسسات العلمية ويقدم للناس على أنه الحقيقة النهائية.

هذا النوع من الخطاب، حين ينتشر عبر المنصات العامة، يخلق حالةً من الارتباك الجمعي، لأنه لا يكتفي باقتراح نمط مختلف؛ بل يُعيد صياغة علاقة الإنسان بما يأكله وبما اعتاد عليه، فيدخل المجتمع في دائرة من الشك تجاه أبسط العناصر الغذائية التي نشأ عليها، لا بناء على أدلة علمية مقارنة، بل بناء على خطاب شديد الحسم واليقين، وهو ما يضع المُتلقِّي أمام حالة من التردد الدائم بين ما تربّى عليه علميًا وغذائيًا، وما يُطرح عليه كبديل شامل.

أما الاستناد إلى القرآن الكريم في تحديد "الطيبات"، فهو استناد إلى أصل عظيم يقوم على أن ما خلقه الله في الأرض يحمل في جوهره النفع، وأن الأصل هو الإباحة والتوازن، لكن الإشكال يظهر حين يتم تضييق هذا المفهوم الواسع وتحويله إلى قائمة صارمة من الممنوعات، يتم فيها استبعاد أطعمة أثبتت فائدتها علميًا مثل البيض والألبان والبصل والثوم والخضروات الورقية، لأن هذا التوسُّع في المنع لا يعكس روح النص بقدر ما يعكس اجتهادًا بشريًا قابلًا للخطأ، فهذه الأطعمة تحديدًا تمثل جزءًا أساسيًا من أنماط غذائية صحية معتمدة عالميًا، وإقصاؤها دون بدائل مدروسة لا يحقق التوازن الذي هو جوهر الفكرة الأصلية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد أحيانًا إلى طرح أفكار تصطدم بشكل مباشر مع ما استقر عليه العلم والتجربة الإنسانية، مثل الحديث عن أن التدخين ليس ضارًا، أو أن مريض السكري يمكنه تناول السكر بشكل عادي، وهي طُروحات تثير حالة من الدهشة وربما الفزع، لأننا لا نتحدث هنا عن آراء قابلة للاجتهاد بقدر ما نتحدث عن حقائق اُختُبِرَت عبر سنوات طويلة من البحث والتطبيق، فحتى في مراحل تصنيع السجائر (التبغ) نفسها وأثناء التغليف، يتم طباعة تحذيرات صريحة على العبوات بأن التدخين مُضِرٌ بالصحة، وهو اعتراف واضح ومباشر من المنتج بخطورة ما يقدمه.

أما فيما يخص مرضى السكري؛ فالأمر أكثر حساسيةً، لأن المرض في جوهره مرتبط بخلل في قدرة الجسم على التعامل مع السكر نتيجة اضطراب في إفراز الإنسولين أو كفاءته، وهو ما يجعل تناول السكر دون ضوابط طبية أمرًا شديد الخطورة، وقد رأينا جميعًا في واقعنا القريب حالات تتعرض لارتفاعات حادة في مستوى السكر قد تصل إلى غيبوبة، فضلًا عن مضاعفات مزمنة مثل مشكلات الشبكية أو تلف الأعصاب أو حتى بتر الأطراف في بعض الحالات المتقدمة.

ومن هنا يصبح طرح مثل هذه الأفكار بشكل عام دون تقييد أو توضيح دقيق مخاطرة حقيقية، لأنه يتجاوز حدود الاختلاف إلى التأثير المباشر على سلوكيات صحية قد تترتب عليها نتائج خطيرة.

وفي إطار التغذية العلاجية، لا يتم التعامل مع الغذاء بمنطق الإلغاء، بل بمنطق التخصيص، فليس كل ما يضر شخصًا يضر الجميع، وليس كل ما ينفع شخصًا يصلح لكل الأجسام؛ فالبصل والثوم- على سبيل المثال- يحتويان على مُركَّبات داعمة للمناعة، والخضراوات الورقية غنية بالفيتامينات، والألبان مصدر مهم للكالسيوم، وبالتالي فإن منع هذه العناصر بشكل مطلق قد يؤدي إلى اختلال غذائي إذا لم يتم تعويضها بشكل علمي مدروس، وهو ما لا يتحقق غالبًا في الأنظمة التي تقوم على التعميم.

أما الحديث عن أن الطب الحديث يُخفي علاجات حقيقية للأمراض، أو أن العلاجات المتاحة- خصوصًا في مجالات مثل علم الأورام- هي مجرد وسائل لإبقاء المرض؛ فهو طرح يستند إلى الشك أكثر مما يستند إلى الأدلة، لأن هذا المجال يقوم على أبحاث منشورة وتجارب سريرية ومراجعات علمية مستمرة، والعلاجات الحالية رغم ما قد تحمله من صعوبة تمثل محاولات حقيقية لإنقاذ المرضى أو تحسين جودة حياتهم، ورفضها بشكل كامل قد يحرم الإنسان من فرصة علاج قائمة بالفعل.

ما نحتاج إليه في مثل هذه اللحظات ليس الانسياق وراء الخوف ولا التمسُّك بأي فكرة تمنحنا شعورًا زائفًا باليقين، بل بناء وعي هادئ قادر على التمييز بين ما يُقال وما يمكن إثباته، بين التجربة الفردية التي نحترمها والحقيقة العامة التي لا تُبنى عليها بمفردها، ويدرك أن الصحة ليست قائمة جامدة من الممنوعات ولا وصفة واحدة تصلح للجميع، بل عملية ديناميكية معقدة تتشكل من تفاعل مستمر بين الغذاء ونمط الحياة والحالة النفسية والعوامل البيئية والتاريخ الصحي لكل إنسان، وأن الوصول إلى هذا الفهم لا يحدث دفعة واحدة، بل يتراكم مع الوقت عبر السؤال والبحث والمراجعة، وعبر القدرة على تصحيح الأفكار حين يتبين عدم دقتها دون شعور بالهزيمة، لأن التمسك بالحقيقة حتى وإن كانت أكثر تعقيدًا هو الطريق الوحيد لبناء علاقة آمنة مع أجسادنا، علاقة تقوم على الفهم لا على الخوف وعلى التوازن لا على التطرف وعلى الثقة الواعية لا على الشك الذي لا ينتهي.

الأكثر قراءة

z