د. غالية بنت عيسى الزبيدي **
الطلب ليس معجزة، والحلم ليس رفاهية، بل هو فطرة تمشي على قدمين، وتبحث عن بيتٍ دافئٍ في وطنٍ يعرف معنى الاستقرار جيدًا.
يقول الشاب العُماني: أريد أن أتزوج، لكنه يقولها بصوتٍ خافت، كمن يعتذر عن حقّه، لا كمن يطالب به.
بين غلاء المهور وامتداد قوائم الباحثين عن عمل، تتأجل الحكايات الجميلة، وتُطوى رسائل كثيرة قبل أن تُكتب. ويصبح الزواج مشروعًا مؤجلاً، ليس بسبب غياب الرغبة، بل بسبب ثقل التكاليف، وكأن الطريق إلى بيتٍ بسيطٍ يمر عبر أبوابٍ مُثقلة بالشروط.
ومع تحولات الحياة وتسارعها، تتبدل الأولويات، وتعلو أسقف التوقعات، فيجد الشاب نفسه واقفًا بين قلبٍ يريد، وواقعٍ يؤجل.
وليس خافيًا أن تأخير الزواج، في عالمٍ منفتحٍ تتعدد فيه المغريات وتتشابك فيه التحديات، يترك فراغًا اجتماعيًا ونفسيًا قد يتسع لما لا يُحمد عُقباه، ويهدد توازن القيم واستقرار الأفراد.
غير أن الحكاية لا تُروى من طرفٍ واحد؛ فالشاب مدعوٌ إلى أن يعيد ترتيب أحلامه بواقعية، وأن يسعى بثباتٍ نحو العمل، مهما كان بسيطًا في بدايته، فكل بناءٍ عظيم بدأ بحجر، وكل استقرارٍ يبدأ بخطوة صادقة.
والفتاة الشابة شريكة في التيسير، حين تُدرك أن قيمة الزواج لا تُقاس برقمٍ يُكتب، بل بحياةٍ تُبنى، وأن الشراكة الحقيقية تُصاغ بالتفاهم لا بالمغالاة.
أما الأسرة؛ فهي الحاضن الأول، التي تستطيع أن تجعل من الزواج ممرًا ميسرًا، وليس اختبارًا مُرهقًا، وأن تعيد الاعتبار لمقاصد الزواج بدل من مظاهره.
ودور المجتمع، يكمن في أن يخفف من وطأة المقارنات، ويعيد الاعتبار للبساطة، و يفتح نوافذ أملٍ كثيرة، ويصنع ثقافةً تُشجع على الإقدام بعيدا عن التردد.
في حين أن الجهود الحكومية، تمضي في تمكين الشباب وتوسيع فرص العمل، ويمكن أن تتعزز بمبادرات أكثر مرونة في دعم المقبلين على الزواج، وتيسير الإجراءات، وتشجيع البرامج المجتمعية التي تُخفف من الأعباء.
وهنا يأتي دور رجل الاقتصاد، ليس باعتباره مراقبًا، بل باعتباره شريكًا في الحل، عبر ابتكار أدوات تمويلية ميسّرة، ودعم المشاريع الصغيرة، وخلق بيئة اقتصادية تُشجع على الاستقرار؛ لأن الزواج في جوهره ليس شأنًا فرديًا، بل ركيزة في بناء مجتمع متماسك.
إنَّ الزواج ليس رفاهية؛ بل استقرارٌ اجتماعي، واستثمارٌ في المستقبل، وحين تتكامل الجهود، وتلين القلوب قبل الشروط، يصبح ذلك الصوت الخافت أكثر وضوحًا وثقة، فهو ليس صوتًا فرديًا؛ بل صوت جمعي، تصنعهُ الأيادي المتشابكة حين تتساند وتتعالى الأصوات في صوتٍ واحدٍ جليٍ على لسان الشاب العُماني: أريد أن أتزوج، وليكن ذلك بمشيئة الله وتضافر الجهود وتكاتفها.
** شاعرة وكاتبة
