ليته كان عربيًا!

 

 

 

د. صالح الفهدي

لاحت لي لافتة بارزة فوق عمود سامق فسألتُ: ما الذي يعنيه عنوان اللافتة؟ فقيل لي: إنه مشروع لشباب عُمانيين آخذ في التوسع لما يلقاه من إقبال على خدماتهِ، فقلت: ليت الاسم الذي اختاره لمشروعه كان عربيًا! فما الذي يمنعه من أن يكون مشروعه باسمٍ عربيٍّ؟!

لقد تحدثنا في هذا الموضوع كثيرًا، ولكن لا يمكننا أن نصمت عنه، لأن الأجنبية تغتال الهوية على يد أبنائها! وهذا هو المُستغرَب والمُستقبَح، ذلك الذي لا يرتضيه الإنسان الواعي لا منطقًا، ولا فكرة.

اللغة الأُم ليست أداة تواصل فحسب، بل هي رابطة الانتماء للتاريخ، وعروة الهوية، وخزانة الذاكرة، بها نصوغ مسميات الأشياء فنحسن التعاطي معها، وبها نصون القيم فنحفظها من التلاشي والتبدد. إن من يختار لمشروعه اسمًا عربيا، لا يدون مجرد أحرف على لافتة، بل يشهر إعلانًا عن هويته، ومبادئه، وقناعاته، وتفضيله للغة ليست لغته على لغة آبائه وأجداده.

في الحقيقة، لا أشعر بسعادة إزاء انتشار اللافتات الأجنبية إذ أنني أراها من زاويةِ التهديد على الهوية، ذلك التهديد الذي تزينه الأحرف، وبهرجة الاسم، وفخامة النطق كما يظن أصحابه، فأين هؤلاء من قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

إن الذي ملأ اللغات محاسنًا

جعل الجمال وسره في الضاد

وأينهم من قول الشاعر حليم دموس:

لغة إذا وقعت على أسماعنا

كانت لنا بردًا على الأكباد

ستظل رابطةً تؤلف بيننا

فهي الرجاء لنطاق بالضادِ

وإذا كانوا يظنون بأن اللغة العربية فقيرةً، لا تلبي حاجاتهم في الحصول على اسم مبهر، فليسمعوا كلام شاعر النيل حافظ إبراهيم في نظمه بلسان العربية قائلًا:

وسِعت كِتاب اللهِ لفظًا وغايةً

وما ضِقت عن آيٍ بِهِ وعِظاتِ

فكيف أضيق اليوم عن وصفِ آلة

وتنسيقِ أسماء لِمخترَعاتِ

أنا البحر في أحشائِهِ الدُر كامِن

فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي

ولعمري هل يسأل العربي الذي يرفع لافتةً أو شعارًا أجنبيًا يتباهى به، هل يسأل نفسه ماذا هو صانع بفعلته هذه بهويتهِ التي يقرضها قرض الجرذان الكتب التي لا تعي ماذا تحمل مضامينها؟ هل يسأل نفسه عما يفعله بتاريخهِ وهويته مقابل اسم يظنه براقًا جذابًا مبهرًا وهو في الحقيقةِ سكين يطعن به خاصرة هويتهِ وتاريخه؟!

لا يمكن نكران فضل اللغات الأجنبية في العلم والتقنية والتواصل العالمي؛ فهي أبواب للمعرفة وأسواق للفرص، لكن الإشكال يحدث حين تتحول هذه اللغات من وسائل مساندة إلى بدائل مزاحِمة للغة الأم في الفضاء العام، وحين يستبدل الاسم العربي الأوضح على الدلالة، والمعين على استدامة الهوية بآخر أجنبي يسهم في إضعاف اللغةِ وإضاعة الهوية.

إنَّ من يظن أن تلك اللافتات مجرد حروف أو شعارات رمزية مخطئ لا شك؛ فهي هوية تُعاش، وذاكرة وطن تُؤرَّخ، وحين تختفي العربية من واجهاتِ شوارعنا ومدننا، تتأثر الهوية، ويغيب الوعي بالتاريخ.

إذن؛ فالمسألة ليست هينة كم يظنها البعض فيستغرب من منحها زخمًا كبيرًا، بل تحتاج إلى إبراز لأنها ظاهرة تستفحل، مثلها مثل الأسماء الغريبة، والألفاظ الأجنبية التي تقلبها الألسن في كلامها، وهكذا إن ساد الصمت، وعم السكون، لا نلبث إلا ونرى أننا نعيش في فضاء غريب علينا، بل نرى أنفسنا نحن الغرباء فيه!

هنا، لا يمكن أن تتنصل أية جهة ذات مسؤولية عن مسؤوليتها إزاء هذه الظاهرة التي تتجنى على الهوية، وتتعدى على الثقافة، فإن وعت هذه الجهات خطر الظاهرة قامت بتصحيحها، وإن هي تغافلت عنها فإن الظاهرة ستتفاقم وتتمدد وتستعصي على التصحيح فيما بعد.

أخيرًا نقول إن الاعتزاز بالعربية ليس انغلاقًا، بل وفاء للهويةِ وحفظ للانتماء، ومن واجبنا أن لا نصمت إزاء كل ظاهرة تروم تحويلها إلى لغة غريبة في شوارعنا وأسواقنا، فاللغة العربية هي روح الأمة وعماد حضارتها العظيمة. إننا نطلب من الجميع أفرادًا ومؤسسات حكومية وخاصة أن ينتصروا للغة العربية، اللغة الأم، فقد تصنع اللافتات الأجنبية بحروفها انبهارًا مؤقتًا، لكنها تضعف الثقة بالذات الثقافية على المدى البعيد.

الأكثر قراءة

z