ريتّا دار
هناك لحظات في الحياة يكتشف فيها الإنسان حقيقة نفسه كاملة، بلا تجميل ولا ادّعاء. بعضهم يكتشف نفسه في الحروب، وبعضهم في الحب، وبعضهم في المرض.
أما أنا فاكتشفتُ نفسي يوم قررتُ أن أنقل أغراضي -للمرة السابعة والعشرين- إلى بيت جديد. في البداية بدا الأمر بسيطًا جدًا. عدة صناديق، بعض الملابس، أشياء خفيفة، ساعات قليلة وينتهي كل شيء.
أول صدمة حقيقية في النقل هي أنك تكتشف أنك تملك أشياء لا تتذكر أصلًا أنك اشتريتها. أشياء عاشت معك سنوات بصمت، دون أن تلفت انتباهك، ثم قررت فجأة أن تظهر دفعة واحدة لتنتقم.
أنا لا أكره النقل.. أنا فقط أكره كل ما يسبقه، ويرافقه، ويتبعه.
ومع ذلك، ها أنا أستعد للانتقال مرة أخرى.
الغريب أنني انتقلتُ كثيرًا من قبل. أكثر مما ينبغي لإنسانة واحدة.
لهذا لم يعد الأمر يحمل أي رومانسية بالنسبة لي. لم أعد تلك المرأة التي تنظر إلى البيت الجديد بحماس وتقول: "بداية جديدة".
أنا أعرف الحقيقة.. البدايات الجديدة تعني صناديق وغبارًا وأسلاكًا مجهولة النسب وانهيارًا عصبيًا خفيفًا عند الثانية صباحًا لأنك لا تعرف أين وضعت شاحن الهاتف.
لكن هذه المرة مختلفة قليلًا. هذه المرة.. سأنتقل إلى مكان أصغر. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية؛ لأن الانتقال إلى بيت أكبر يجعلك تشعر أنك تكافئ نفسك. أما الانتقال إلى مكان أصغر، فيشبه إلى حد بعيد أن تجلس الحياة أمامك وتقول بلطف مهذب: "حسنًا.. لنرَ ما الذي تحتاجه فعلًا".
وفجأة، تصبح مطالبًا باتخاذ قرارات قاسية جدًا.
هل أحتاج هذا الكرسي؟ متى كانت آخر مرة استخدمتُ هذا الرف؟ ولماذا أملك أصلًا سبعة أكواب متشابهة بينما أشرب القهوة في الكوب نفسه كل يوم؟
النقل إلى مكان أصغر ليس عملية ترتيب.. إنه محاكمة. كل غرض في البيت يقف أمامك طالبًا فرصة أخيرة.
وهنا تبدأ العلاقات العاطفية الغريبة مع الأشياء. هذا القميص لم أرتده منذ أربع سنوات.. لكن ربما أحتاجه يومًا.
هذه العلبة فارغة.. لكن شكلها جميل. هذه الأوراق لا أعرف لأي عصر تعود.. لكن ماذا لو رميتها واحتجتُها بعد ساعة؟ كل شيء يتحول إلى أزمة أخلاقية.
وأنا، للأسف، من أولئك الناس الذين يتعلقون بالأشياء بسهولة. ليس تعلقًا صحيًا طبعًا، بل تعلقًا من النوع الذي يجعلك تحتفظ بإيصال قديم لأن الخط عليه يبدو لطيفًا، أو لأنه ذكرى يوم جميل.
لهذا، كلما حاولتُ التخلص من شيء، شعرتُ أنني أخونه شخصيًا.
أعتقد أننا نحب الاحتفاظ بالاحتمالات أكثر مما نحب الأشياء نفسها.
في إحدى المرات، وجدتُ كيسًا كاملًا من الأشياء التي كنتُ قد جمعتها استعدادًا للنقل السابق.. ولم أفتحه أصلًا منذ انتقلتُ إلى هذا البيت. وهنا فقط شعرتُ بالإهانة.
يعني أنني نقلتُ هذه الأغراض معي من بيت إلى بيت.. فقط لتبقى مغلقة.
هناك أشياء لا نستخدمها، ولا نحتاجها، ولا حتى نتذكر وجودها.. لكننا نستمر بحملها معنا، ربما لأن فكرة التخلّي عنها تبدو شخصية أكثر مما ينبغي.
الأصعب من ذلك كله هو أن البيت الأصغر فرض عليّ مواجهة حقيقة مزعجة جدًا: أنتِ تملكين أشياء أكثر مما تحتمل حياتك.
هناك مرحلة أثناء التحضير للنقل يبدأ فيها الإنسان بفتح الأدراج القديمة. وهذه فكرة سيئة دائمًا. هذا الدرج الذي يحتوي على بطاريات ميتة ومفاتيح لا تفتح شيئًا. درج صغير تخرج منه حياة كاملة.
كل بيت يملك درجًا كهذا.
درجًا لا وظيفة له سوى تخزين أشياء لا يجرؤ أحد على اتخاذ قرار بشأنها.
ثم تبدأ مرحلة الصناديق.
في البداية ترتب كل شيء بعناية وأناقة، وتكتب عناوين واضحة: كتب.. مطبخ.. أشياء مهمة.
وبعد ساعة واحدة فقط، تنهار الحضارة البشرية. لكن الكتابة تصبح أكثر صدقًا: "أغراض.. لا أعرف.. مهم جدًا ربما"!
ثم تأتي المرحلة الأخطر: مرحلة اكتشاف الوزن الحقيقي للأشياء.
هناك قانون فيزيائي غامض يجعل كل قطعة أثاث أخف بنسبة خمسين بالمئة وهي مستقرة في مكانها، ثم تتحول إلى صخرة أثرية بمجرد محاولة نقلها. كالطاولة التي كنتُ أحرّكها بيدي بسهولة أثناء التنظيف، احتاجت فجأة إلى ثلاثة رجال وقرارات شجاعة.
أما السرير، فقد بدا وكأنه مرتبط بالأرض بجذور عاطفية.
وفي وسط كل هذه الفوضى، تبدأ الأشياء بالاختفاء. هذه من الظواهر الأساسية في أي عملية نقل ناجحة.
أشياء تختفي بلا تفسير. الشاحن. فرشاة الشعر. قطعة ملابس كنت تراها قبل خمس دقائق.
تجعلك تدخل في حالة تحقيق جنائي كاملة، ثم تجد الشيء لاحقًا داخل صندوق مكتوب عليه: "أدوات المطبخ".
لا أحد يعرف كيف حدث ذلك.
ومع ذلك، بدأتُ أكون أكثر قسوة هذه المرة. صرتُ أنظر إلى الأشياء وأسأل نفسي السؤال الحقيقي: "هل أحتاجه.. أم أنني فقط معتادة على وجوده؟".
وهذا السؤال، بالمناسبة، خطير جدًا. لأنه لا يصلح للأغراض فقط.
أكثر ما يثير السخرية أنني، رغم كل خبرتي السابقة في النقل، ما زلتُ أتصرف كل مرة كأنني أتعلم الكارثة من البداية.
أعيش الكارثة كلها وصولًا إلى لحظتي الأكثر إذلالًا.. حين أصل إلى البيت الجديد.
أجلس وسط الصناديق، منهكة، متربة، غير قادرة على إيجاد أي شيء، قائلة الجملة الكلاسيكية: "لماذا أملك كل هذا أصلًا؟"
وأصبح فجأة إنسانة روحانية تؤمن بالاكتفاء والبساطة والتخلص من التعلُّقات المادية.
ثم، بعد أسبوعين فقط، أشتري شمعة جديدة ووسادة لا أحتاجها.
أكثر ما يثير السخرية في النقل أن الإنسان يبدأه مقتنعًا أنه يرتب حياته.. وينهيه جالسًا على الأرض يبحث عن ملابس نومه وهو يأكل من علبة بلاستيك لأنه لا يعرف أين وضع الصحون.
ومع ذلك، هناك لحظة صغيرة، هادئة، تحدث دائمًا في النهاية. حين يهدأ كل شيء قليلًا.
حين تضع آخر غرض في مكانه، وتنظر حولك. البيت الجديد ليس مرتبًا تمامًا، ولا مكتملًا، وما تزال هناك صناديق لم تُفتح.. لكنه بدأ يشبهك قليلًا.
وهنا فقط نفهم الحقيقة الغريبة عن النقل: نحن لا ننقل الأثاث فعلًا. نحن ننقل الفوضى نفسها.. فقط إلى عنوان جديد.
ومع كل مرة أنتقل فيها، أكتشف شيئًا جديدًا عن نفسي. هذه المرة اكتشفتُ أن المشكلة ليست أن البيت الجديد أصغر.. المشكلة أن حياتي نفسها صارت ممتلئة أكثر مما ينبغي.
ممتلئة بأشياء، وذكريات، ومحاولات قديمة، وأغراض احتفظتُ بها فقط لأنني لم أعرف كيف أقول لها: انتهى دورك.
لهذا، ربما يكون الانتقال إلى مكان أصغر شيئًا جيدًا في النهاية.
فقد أجيب الحياة هذه المرة عن سؤالها الدائم لي: "حسنًا.. ما الذي يستحق فعلًا أن تأخذيه معك؟"
