هل تعرف معنى أن تقتل 12 مدنيًا مسلمًا؟

 

فوزي عمار

 

في أحد المقاهي في قلب أوسلو المزدحمة ليلة السبت، كان جاري الرجل الخمسيني وحيدًا مثلي، وأنا في انتظار مضيفي. كنا واقفيْن نتطلع عبر النافذة الزجاجية إلى حركة المارة في الشارع المُمطر، والناس تهرول تحت وطأة زخات المطر.

اقترب مني بعد أن دخل عدد من الشباب إلى المقهى، فابتسم في وجهي وهو يفسح الطريق لهم. شجعتني ابتسامته على الحديث، فسألته: "هل أنت من هنا؟" أجاب: "نعم، أنا من أوسلو." قلت: "ماذا تعمل؟" أجاب: "كنت أعمل طيارًا... طيارًا عسكريًا".

حدقت في وجهه بتمعن، وامتلأت فضولًا.

"ولماذا تركت؟" قلت بالإنجليزية التي يفهمها جيدًا.

أجاب: "لقد أصبت بوعكة صحية... ثم تنهد وأردف: مرض نفسي... أنا أتعالج عند طبيب نفسي الآن، كان ذلك بسبب خطأ فادح!"

حقيقةً، صدمني بصراحته، وإن كانت عادةً لأهل الشمال، لكن أن يعترف بأنه مريض نفسي؛ فهو شيء لم أتوقعه، وأنا المشرقي الذي لا يتحدث عن نفسه عادةً إلا شكرًا ومديحًا.

جرَّني هذا الاعتراف إلى سؤاله: "وما السبب الذي أوصلك إلى هذه الحالة؟" أجاب دون تردد: "كنت طيارًا في حلف الناتو، أعمل في أفغانستان. وذات ليلة طُلِب مني أن أخرج وأقصف رتلًا للعدو، وفعلت ذلك ورجعت إلى المعسكر.

في صباح اليوم التالي، ظهرت على وسائل الإعلام صور عائلة أفغانية ماتت تحت قصف الناتو... كانت عائلةً مكونةً من 12 شخصًا، منهم 5 أطفال...

عرفت حينها أني أنا الفاعل. ومن ذلك الصباح لم أعد إنسانًا طبيعيًا!" ثم توجه نحوي ناظرًا في عيني مباشرة، وقال بصوتٍ عالٍ حزين: "هل تعرف معنى أن تقتل 12 مدنيًا مسلمًا؟"

سألني وملامح وجهه تعتصر ألمًا، ثم أردف دون توقف: "قدمت استقالتي وبدأت في العلاج".

ساد صمت، وانسحب في هدوء وأنا أصبت بذهول!

لم أعرف ماذا أرد. قال لي مودعًا: "حسابك مدفوع... وداعًا." وانطلق إلى الكاشير ليدفع الحساب، ملوحًا بيده، وأنا متأمل حركته وملامح وجهه الحزينة التي تعبر عن صدق كل كلمة قالها.

ظللت جالسًا في المقهى، أتأمل الباب الذي خرج منه ذلك الرجل النرويجي الطويل، الذي بدا وكأنه يحمل جبلًا من الذكريات على كتفيه. حركة المارة خارج النافذة لم تعد تهمني، ولا صوت المطر الذي يقرع الزجاج. كل ما في ذهني هو سؤال: كم من "أخطاء" مماثلة تحدث كل يوم دون أن نعرف؟

بعد دقائق، جاء صديقي الذي كنت أنتظره، لكني لم أستطع أن أشاركه الحديث كالمعتاد. أخبرته باختصار عن الحوار الذي دار، فسكت لحظة ثم قال: "هذا ليس مجرد طيار استقال... هذا إنسان اكتشف فجأة أنه كان أداة في آلة أكبر منه".

في اليوم التالي، عدت إلى المقهى نفسه في طريقي إلى وسط المدينة، ربما بدافع الفضول، أو ربما لأتأكد أن اللقاء لم يكن حلمًا. الجو كان ممطرًا مجددًا، لكن الرجل لم يعد. سألت العاملين عنه، فعرفوه فورًا: "أوه، أندرس؟ نعم، يأتي أحيانًا... كان طيارًا، يعيش وحيدًا، ولا يتحدث مع أحد غالبًا".

تذكرت الحوار بتفاصيله، والأمر الذي أدهشني هو صراحته المطلقة. في عالمنا الشرقي، نادرًا ما يعترف أحد بأنه "مريض نفسيًّا"، فكيف إذا كان السبب جريمة حرب؟! نحن نبرر الأخطاء الكبيرة بالعمل الوظيفي، بالواجب، بـ"الأوامر العليا"، لكن الطيار أندرس لم يفعل ذلك.

لقد واجه نفسه، واختار أن يتحمل العواقب، حتى لو كلفته حياته المهنية وسلامه الداخلي.

ربما لن ألقاه مرة أخرى في حياتي، لكني أعرف أنه في مكان ما بأوسلو، لا يزال ذلك الطيار يحلم بأطفال أفغانستان الذين لم يقصدهم، ويحاول أن يعيد إلى نفسه شيئًا من براءة البشر.

اليوم، كلما سمعت عن غارات "خاطئة" في غزة، يذكرني وجه الطيار أندرس الحزين، وصوته وهو يسأل: "هل تعرف معنى أن تقتل 12 مدنيًا؟".

السؤال ليس موجهًا لي أو لك فقط؛ بل إلى العالم أجمع!

الأكثر قراءة

z