المواسم العُمانية.. هوية ورسالة للعالم

 

صالح الغافري

تزخر سلطنة عُمان بمواسم متنوعة من خريف صلالة إلى مواسم الحصاد الزراعي ومرورًا بالموائد الرمضانية وهبطات الأعياد والأعراس الجماعية والمهرجانات والمعارض. وهي مناسبات تشكل أساس الهوية العُمانية وتغرس قيم التعاون والترابط والتماسك الوطني، وهكذا تبقى هذه المحطات شاهدة على خصوصية المجتمع العُماني.

وتشمل هذه المواسم والمناسبات أبعادًا متعددة؛ فهي وطنية ودينية وثقافية وسياحية واجتماعية وشتوية ورياضية، وغيرها من المناسبات التي تعكس تنوع الحياة في سلطنة عُمان وتبرز هويتها أمام العالم. وهذه المناسبات لا تحمل قيمة اجتماعية ووطنية فحسب، وإنما أصبحت أيضًا عنصرًا جاذبًا للسياحة الثقافية والشتوية في السلطنة.

ومن أبرز تلك المواسم موسم قطف الورد في الجبل الأخضر ومواسم الحصاد مثل الرمان والعنب إضافة إلى مواسم المانجا "الأمبا" والمشمش ومواسم القيظ والتبسيل وبيع التمور وغيرها من الأنشطة الزراعية. كما أن المواسم الشتوية المتمثلة في المخيمات تعد جزءًا من نمط الحياة العُمانية لتكون صورة أخرى من صور التلاحم المجتمعي، وهي أنشطة تجسد علاقة العُماني بأرضه وحرصه على استدامة عطائها.

أما الموائد الرمضانية؛ فهي صورة للتكافل والتراحم، وهبطات الأعياد تملأ الأسواق بالمنتجات المحلية وتجمع الناس على فرحة العيد. وهي رموز للتجمع الأسري، ولا يمكن إغفال عادة الشواء أيام العيد التي أصبحت جزءًا من السمت العُماني وجذبت الزوار لتكون تجربة سياحية فريدة تعكس عراقة المجتمع. وكل ذلك يقدم بنكهة وطقوس عُمانية خالصة تضفي على هذه المناسبات طابعًا مميزًا لا يشبه سواه.

كما أن المهرجانات والمعارض مثل "ليالي مسقط" و"طواف عُمان" وأسواق نزوى التراثية، عززت تمسك العُماني بجذوره وأظهرت للعالم صورة بلد يجمع بين التراث والحداثة. وقد أصبحت هذه الفعاليات مبرمجة في روزنامة زائريها ولها متابعون من داخل السلطنة وخارجها، وهم يحرصون على عيش اللحظة وتجربة هذه الطقوس العُمانية الأصيلة بكل تفاصيلها لتبقى ذكرى لا تُنسى في وجدان الزائر، وهذا ما يجعل سلطنة عُمان وجهة فريدة في أنظار العالم.

وبذلك.. فإن هذه الفعاليات بما تحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياحية ترسم لوحة متكاملة لعُمان أمام أنظار العالم. ومن هنا فإن تقديم هذه المواسم والفعاليات والمناسبات بصورة إيجابية يبعث للعالم رسالة بأن عُمان وطن العراقة والكرم والتسامح، ويجعل منها رافدًا للسياحة ومحركًا للاقتصاد. أما السلوكيات الدخيلة التي لا تنسجم مع قيم المجتمع فإنها تشوّه هذه الصورة وتضعف أثرها في أنظار الآخرين.

وهنا تأتي المسؤولية المشتركة على المؤسسات الرسمية أن تتابع هذه المواسم باهتمام أكبر وأن تعزز برامج التوعية والإرشاد، وعلى الأسر أن تغرس في أبنائها قيم الأصالة والسمت الوطني. فيما يظل الشباب والناشئة جزءًا فاعلًا في حمل هذه الأمانة، فهم امتداد لجذور المجتمع وحماة مستقبله. إن ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا ليس مجرد عادات وإنما هو طابع وطني يجب أن يصان ويشارك الجميع في حفظه وصونه للأجيال القادمة.

وقد أكد مولانا صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في خطابه السامي بتاريخ 15 يناير 2025 على ضرورة التصدي للتحديات التي يتعرض لها المجتمع وتعزيز الهوية الوطنية والقيم والمبادئ الأصيلة، والاهتمام بالأسرة باعتبارها الحصن الواقي لأبنائنا وبناتنا من الاتجاهات الفكرية السلبية التي تخالف مبادئ ديننا الحنيف وقيمنا الأصيلة وتتعارض مع السمت العُماني الذي ينهل من تاريخنا وثقافتنا الوطنية.

إنَّ هذه المواسم والفعاليات ليست مجرد عادات اجتماعية أو أنشطة سياحية، وإنما هي قيم راسخة بناها الأجداد وحافظ عليها الآباء ويعيشها الأبناء اليوم كأمانة وطنية. فهي تعكس السمت العُماني الأصيل الذي يجمع بين الأخلاق والتراث والخصوصية الوطنية، وتقدم للعالم نموذجًا فريدًا في الجمع بين العراقة والمعاصرة. وإذا كان الأجداد قد غرسوا هذه المبادئ في الأرض والإنسان العُماني فإن مسؤوليتنا اليوم أن نصونها ونورثها للأجيال القادمة لتبقى عُمان منارة للترابط والعراقة وعمق الهوية والانتماء الوطني، ووجهة سياحية تحمل رسالة حضارية لا تمحى من الذاكرة؛ لتبقى عُمان في وجدان الشعوب منارةً للسلام والتسامح، ووجهةً أصيلةً تحمل رسالتها الحضارية عبر الأزمان.

الأكثر قراءة

z