ماذا تقول الدراسات العلمية الحديثة عن المشروبات الكحولية؟

 

 

 

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

 

على مدى عقود من الزمن، كانت الدراسات العلمية تُشير إلى أنَّ تناول كميات معتدلة من الكحول، مثل كأس أو كأسين يوميًا، قد يكون له تأثير إيجابي على صحة القلب؛ إذ كانت تلك الدراسات تشير إلى أن المشروبات الكحولية ترفع مستويات الكوليسترول الجيد وتُحسِّن حساسية الأنسولين؛ مما يُقلل من الالتهابات ويحسن صحة الأوعية الدموية.

إلّا أنَّ هذه الدراسات لم تكن تُفرِّق بين الكحول والمشروبات الكحولية؛ فكثير من الفوائد المذكورة تعود للمشروب الكحولي وليس للكحول نفسه، ولذا لا بُد من التفريق بينهما؛ فالكحول مركب كيميائي يُطلق عليه الإيثانول، وهو أحد نواتج عمليات التخمُّر، فالعنب مثلًا يحتوي على مركبات كثيرة، لها فوائد جمَّة، وهذه المركبات تتواجد في النبيذ الأحمر أيضًا، وكثير من الفوائد المذكورة ليست بسبب مادة الكحول؛ بل بسبب المواد الأخرى المُكوِّنة للمشروب الكحولي. أما مادة الكحول فهي مادة سامة، لكن يمكن للجسم أن يتحملها بتراكيز مُخفَّضة، لكنها ليست خالية من الآثار السلبية الأخرى.

ولذا فإنَّ الأبحاث والدراسات الحديثة، أوضحت أن الكميات الصغيرة من الكحول تحمل مخاطر صحية، ولا توجد كمية آمنة تمامًا منه. وتقول إليزابيث بلاتز، الحاصلة على دكتوراه في العلوم الصحية العامة وأستاذة علم الأوبئة: "أكثر كمية آمنة من الكحول هي عدم تناوله إطلاقًا".

ونلاحظ أنَّ مركز جون هوبكينز للصحة العامة نشر في 18 نوفمبر عام 2025، تقريرًا يُشير إلى أن تناول الكحول- حتى بكميات قليلة- يزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي وبمختلف أنواع السرطان المرتبطة بالجهاز الهضمي، كما يؤدي إلى تلف خلايا الكبد ويُضعِف من قدرة الجسم على مقاومة الأمراض. وأكد التقرير أن الكحول يرفع ضغط الدم ويزيد من احتمالية الإصابة بالسكتات الدماغية؛ مما يُشكِّل عبئًا صحيًا كبيرًا؛ ففي الولايات المتحدة مثلًا، يُعد الكحول من الأسباب الرئيسية لأمراض الكبد؛ حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة أمراض الكبد المرتبطة بالكحول تصل إلى حوالي 61% من حالات أمراض الكبد في البلاد، كما أن حوالي 15- 30% من حالات تليُّف الكبد (المرحلة المتقدمة من أمراض الكبد) ترتبط بالكحول بشكل مباشر، إضافة إلى ذلك، تُمثِّل أمراض الكبد الناتجة عن الكحول نسبة كبيرة من الوفيات المرتبطة بأمراض الكبد؛ حيث تُوفي حوالي 27500 شخصٍ بسبب أمراض الكبد الكحولية، بمعدل 8.2 وفاة لكل 100,000 نسمة.

هذه الأرقام توضح حجم التأثير الكبير للكحول على صحة الكبد في الولايات المتحدة، وكيف أن انتشار ظاهرة تناول الكحول حتى بشكل معتدل يشكل ضغطاً كبيراً على المؤسسات الصحية.

وخلُص تقرير صادر عن الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان في عام  2024 إلى أن أكثر من 5% من جميع حالات السرطان في الولايات المتحدة تُعزى إلى استهلاك الكحول، وكلما زاد استهلاك الكحول، زاد خطر الإصابة بالسرطان، لكن التقرير يؤكد من أن المخاطر تبدأ مع أي كمية من استهلاك الكحول.

وتنشأ المخاطر الصحية للكحول نتيجة لأن الإيثانول الموجود في المشروبات الكحولية، يتحول في الجسم إلى مركب يُدعى "الأسيتالدهيد"، الذي يُتلف الحمض النووي ومكونات خلوية أخرى، وعندما يتراكم الأسيتالدهيد في الجسم، يمكن أن يتسبب في تلف الخلايا في جميع أنحاء الجهاز الهضمي وما بعده.

ونتيجة لهذه الأبحاث، توصي منظمة الصحة العالمية اليوم بتقليل استهلاك الكحول إلى أدنى حد ممكن، ورفعت شعارًا مفاده "لا يوجد مستوى من استهلاك الكحول آمن لصحتنا"، ويُمكن التحقق من ذلك عبر موقع المنظمة: (https://www.who.int/europe/news/item/04-01-2023-no-level-of-alcohol-consumption-is-safe-for-our-health).

ومن هنا.. فقد لوحظ انتشار حانات ومقاهٍ خالية من المشروبات الكحولية في عددٍ من الدول الأوروبية؛ حيث تُقدَّم مشروبات بديلة مثل العصائر الطبيعية، والكوكتيل الخالي من الكحول (موكتيل)، والشاي، والقهوة. وتعكس هذه الظاهرة زيادة الوعي الصحي والرغبة في تقليل استهلاك الكحول لأسباب صحية واجتماعية، وتجذب فئات متنوعة تشمل الشباب المهتمين بالصحة والأشخاص الذين يمتنعون عن الكحول لأسباب دينية أو شخصية، وقد انتشرت هذه البارات في مدن كبيرة مثل لندن وبرلين وأمستردام؛ مما يعكس تحولًا ثقافيًا نحو نمط حياة أكثر وعيًا، لكن مما يثير الدهشة أن الأمر يتجه باتجاه معاكس في عدد من دولنا الإسلامية، على الرغم من وضوح المخاطر الصحية!

إنَّ الرسالة التي تخرج من هذه الدراسات الحديثة واضحة، مفادها أن الكحول يحمل مخاطر صحية حقيقية حتى مع استهلاكه بكميات قليلة؛ لأنه من أهم الأسباب إلى تؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان، أمراض الكبد، مشاكل القلب والأوعية الدموية، وتأثيرات سلبية على الدماغ. وهذا يؤدي إلى أن تتحمل المؤسسات الصحية الحكومية عبئًا ثقيلًا على كاهلها في حال انتشار ظاهرة تناول المشروبات الكحولية في تلك المجتمعات.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z