د. هبة العطار
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتقارب الإنساني كما ولدت في بداياتها، بل تحولت شيئًا فشيئًا إلى ساحات مزدحمة بالصخب، والتربص، واستنزاف الأرواح، أصبح الإنسان يدخل إليها ليهرب من ضغوط الحياة، فيجد نفسه محاصرًا بمقارنات مؤلمة، وخلافات حادة، ووجوه تبتسم ظاهريا، بينما تخفي خلف الشاشات قدرًا هائلًا من القسوة والتوتر.
لم تعد الكلمات تقال من أجل الفهم، بل من أجل الغلبة، ولم يعد الاختلاف مساحة للحوار، بل صار معركة لإلغاء الآخر، هكذا تبدّلت وظيفة التواصل، فتحول من جسر يربط البشر إلى متاهة من التناحر النفسي والاجتماعي، حتى أصبح الإنسان يشعر أحيانًا أنه يعيش وسط حشود رقمية ضخمة، لكنه أكثر وحدة من أي وقت مضى.
هذه الوسائل لم تكتف بإفساد العلاقات الإنسانية فحسب، بل أعادت تشكيل الأخلاق ذاتها بصورة خطيرة، فحين يصبح التشهير نوعا من الترفيه، والسخرية وسيلة لجذب التفاعل، والتنمر مادة يومية للضحك، فإن المجتمع كله يبدأ في فقدان حساسيته الأخلاقية تدريجيًا، صار البعض يقتحم خصوصيات الآخرين بلا خجل، يصور لحظاتهم، وينشر أسرارهم، ويتعامل مع الحياة الشخصية كأنها ملكية عامة مباحة للفرجة والتعليق، أصبح الألم مادة قابلة للتداول، والفضائح وقودا للانتشار، وتحولت الإنسانية أحيانًا إلى مجرد أرقام مشاهدات وتعليقات، ومع كثرة التعرض لهذا العبث اليومي، بدأ الوعي الجمعي يفقد قدرته على التمييز بين ما يجب احترامه وما يجوز انتهاكه، حتى أصبحت الخصوصية نفسها قيمة مهددة بالانقراض.
الانفلات الرقمي لم يغير فقط طريقة التواصل؛ بل شوه أيضًا مفاهيم العلاقات الإنسانية ذاتها، فسهولة الاتصال الدائم ألغت أحيانًا الحدود الصحية بين البشر، حتى أصبحت بعض العلاقات تدار بمنطق التملك لا المحبة، وبمنطق المراقبة لا الاحتواء، صار "آخر ظهور" سببًا للعتاب، والعلامة الخضراء (التواجد أون لاين) مدخلًا للشك، وتأخر الرد لدقائق كافيًا لاشتعال الخلافات وقطع الود، لم يعد الصمت يفسر كمساحة شخصية أو انشغال إنساني طبيعي، بل بات يُترجم فورًا إلى تجاهل، أو برود، أو تعمد للإهانة، وهكذا تحولت وسائل التواصل من أدوات للتقارب إلى أدوات لاستنزاف الأعصاب، وخلق حساسيات مرضية بين البشر.
هذا المناخ الرقمي فتح الأبواب أمام ضعاف النفوس لإعادة تشكيل العلاقات بصورة مشوهة، وكسر هيبة المسميات الإنسانية نفسها، فأصبح من السهل التمرد على قيمة الصداقة، أو قدسية القرابة، أو احترام الروابط العائلية، تحت ضغط الانفعالات اللحظية، والصراعات الفكرية الحادة التي تؤججها المنصات كل يوم، كم من علاقة بين أقارب انهارت بسبب تعليق عابر، أو منشور مختلف، أو نقاش سياسي محتدم، أو سوء فهم إلكتروني لا يستحق أصلًا كل هذا الخراب، لقد أصبح الإنسان أحيانًا يضغط زر "الحظر" أسرع مما يحاول الفهم، ويقطع سنوات من المحبة بسبب لحظة غضب رقمية عابرة، وهنا تتجلى المأساة الحقيقية، حين تصبح التكنولوجيا قادرة على تقصير المسافات بين الهواتف، بينما توسع الهوة بين القلوب.
الكارثة الأخطر هي سيولة الحقيقة داخل هذا العالم الرقمي؛ فالأخبار الكاذبة لم تعد مجرد أخطاء عابرة، بل أصبحت صناعة كاملة تُدار باحتراف، تنتج الشائعات كما تنتج المصانع بضائعها، صورة مفبركة، وعنوان مضلل، ومقطع مجتزأ، أو تصريح خارج سياقه، يمكنه خلال دقائق أن يشعل الرأي العام، ويهدم سمعة إنسان، ويخلق حالة من الفزع أو الكراهية الجماعية، والمؤلم أن سرعة الانتشار أصبحت أهم من صدق المعلومة، حتى صار الناس يشاركون الأخبار قبل أن يفكروا فيها، ويصدقون ما يوافق انفعالاتهم لا ما تؤكده الحقائق، وهكذا دخل العالم مرحلة خطيرة، لم يعد فيها السؤال: "هل هذا حقيقي؟" بل: "هل هذا مثير بما يكفي للانتشار؟".
أما "سيادة الترند" فقد صنعت تشوها عميقا في الوعي الإنساني والإعلامي معا، فالترند بطبيعته لا يبحث عن القيمة، بل عن الإثارة، ولا يهتم بالعمق، بل بسرعة الاشتعال، ولذلك أصبحت القضايا الأكثر تفاهة أحيانا تتصدر المشهد، بينما تختفي الموضوعات الجوهرية في الظل لأنها لا تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، صار الضجيج أعلى من الفكر، والانفعال أسرع من التأمل، وأصبح الإنسان محاصرا بعالم يتحرك وفق ما تفرضه الخوارزميات لا ما يحتاجه العقل أو المجتمع، فالخوارزمية لا تسأل: "ما الذي يرتقي بالإنسان؟"، بل تسأل فقط: "ما الذي سيجعله يبقى أطول وقت ممكن أمام الشاشة؟"، ومن هنا بدأ العقل البشري يفقد تدريجيا قدرته على التركيز، والتأمل، والتفكير العميق، لأنه اعتاد الاستهلاك السريع والانفعال اللحظي.
والطامة الكبرى أن الإعلام، الذي كان من المفترض أن يكون قائدا للوعي، وقع أسيرا لهذا الفخ الرقمي، بعد أن كان الإعلام يصنع الأجندة الفكرية للمجتمعات، أصبح يلهث خلف ما تصنعه منصات التواصل، تحولت بعض المؤسسات الإعلامية من صانعة للرأي العام إلى ناقلة للترند، ومن مؤسسات تمتلك أهدافا اتصالية مهنية إلى مجرد مرايا تعكس أكثر الموضوعات تداولا مهما كانت سطحيتها، لم يعد السؤال الإعلامي: "ما الذي يحتاج الناس إلى معرفته؟"، بل أصبح: "ما الذي سيحقق أكبر تفاعل؟"، وهنا فقد الإعلام جزءًا من رسالته الأخلاقية والتنويرية، لأن القيادة الفكرية تحتاج شجاعة، بينما ملاحقة الترند تحتاج فقط سرعة، واستسلاما لرغبات الجمهور اللحظية، وهكذا انتقلت السلطة تدريجيًا من العقل المهني إلى الخوارزمية، ومن الصحفي إلى مؤشر المشاهدات.
المشكلة الفعلية لم تكن يومًا في وسائل التواصل نفسها، بل في ذلك الفراغ الإنساني الذي كشفته داخلنا، فهي فقط أظهرت هشاشة الصبر، وضعف الاحتواء، وسرعة الأحكام، وعجز البعض عن تقبل الاختلاف، لقد منحت الجميع صوتا، لكنها لم تمنح الجميع حكمة استخدامه، ولهذا أصبح العالم أكثر ضجيجا، وأكثر حساسية، وأكثر استعدادا للخصام والانقسام، والسؤال المرعب اليوم ليس: إلى أين تتجه التكنولوجيا؟ بل: إلى أين يتجه الإنسان، وهو يحمل كل هذا الغضب، وكل هذا الفراغ، وكل هذه القدرة على الأذى بضغطة إصبع؟
نحن اليوم لا نواجه مجرد أزمة وسائل تواصل، بل نعيش أزمة وعي وإنسان وأخلاق، أزمة عالم أصبحت فيه الضوضاء أعلى من الحقيقة، والانفعال أسرع من الحكمة، والترند أقوى من الفكر، والخوارزميات أقدر على توجيه البشر من كثير من المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية، لقد نجحت التكنولوجيا في اختصار المسافات، لكنها فشلت في تقليص القسوة، ومنحت الإنسان قدرة هائلة على الوصول إلى الآخرين، لكنها لم تعلمه كيف يحافظ عليهم، حتى أصبح العالم أكثر اتصالا، وأكثر انقساما في الوقت نفسه، وأكثر ازدحاما بالكلمات، وأفقر في الفهم والاحتواء، وربما تكون المأساة الأكبر أن البشرية، وهي تلهث خلف سرعة التواصل، بدأت تخسر ببطء قدرتها على التأمل، والرحمة، والحوار، والتمييز بين الحرية والفوضى، وبين التعبير والإيذاء، وبين الحضور الرقمي والوجود الإنساني الحقيقي، ولذلك لم يعد السؤال الأهم اليوم كيف تتطور وسائل التواصل، بل كيف نحمي ما تبقى من إنسانيتنا وسط هذا السيل الهائل من الضجيج، والتشوه، والتناحر الذي لا ينتهي.
