د. محمد بن عوض المشيخي **
تعود فكرة ما يُعرف بصناديق الثروة السيادية إلى بزوغ عصر الثورة الصناعية في الغرب في القرن التاسع عشر؛ حيث ظهرت بداية الشركات التي تعمل في هذا المجال الاقتصادي، لكن أول صندوق سيادي في العالم بالشكل المعمول به حاليًا يعود إلى دولة الكويت التي أسست ما يعرف "مجلس الاستثمار الكويتي" في منتصف القرن العشرين.
وتهدف صناديق الثروة السيادية- التي هي عبارة عن أجهزة مملوكة للحكومات- إلى إدارة الفوائض المالية للدولة؛ بهدف رفع الدخل القومي وتنويع مصادر الاقتصاد الوطني والاحتفاظ بالاحتياطات والموارد المالية للأجيال الصاعدة.
من هنا تأتي حوكمة القرارات التي تُعد من أهم مفاتيح النجاح لأي عمل يُراد له التميُّز خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بالاستثمارات الخارجية التي تُعنى بمستقبل الأجيال، ولعل اختيار المكان والزمان المناسبين لوضع مدخرات الوطن وتنميتها وتعظيم نسبة فوائدها من أهم غايات من يتولى إدارة تلك الصناديق؛ إذ لم يكن ذلك في يوم من الأيام عملية سهلة أو مُيسرة، بل تحتاج إلى جهود جبارة وخبرة واطلاع على تفاصيل دقيقة للفرص الاقتصادية الواعدة في هذا العالم الذي يُعاني أزمات واضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية؛ فمعرفة مفاصل الاقتصاد العالمي ونقاط ضعفه، والتنبؤ بمستقبل الأسواق العالمية والتحديات والمخاطر التي قد تحدث في قادم الأيام؛ من أهم مفاتيح النجاح للاستثمار الآمن؛ وذلك على مستوى الصناديق السيادية، بل وحتى على مستوى الأفراد والشركات العابرة للقارات.
وقد تشرُّفت بدعوة كريمة لحضور اللقاء الإعلامي لجهاز الاستثمار العُماني الذي تفصلنا عن انعقاده ساعات قليلة؛ إذ يُتوَقَّع أن يكشف رئيس الجهاز عن أهم الإنجازات الواعدة التي تحققت في 2025 والتي بالفعل أثلجت صدورنا جميعًا وتفرح كل عُماني على هذه الأرض الطيبة والمتمثلة في تحقيق أداء مالي سنوي ضمن أفضل 3 إلى 5 صناديق ثروة سيادية في العالم، والأهم من ذلك كله هو تحقيق جهاز الاستثمار العُماني الترتيب الثالث عالميًا في تطبيق معايير الحوكمة والاستدامة بنسبة نجاح تفوق التسعين بالمائة. هذا الجهاز الوطني الذي يُدار من قبل كادر عُماني مميز بعضهم من مخرجات جامعة السلطان قابوس، وصلت نسبة التعمين فيه إلى أكثر من 90%، بينما نسبة الكادر الوطني في الشركات التابعة للجهاز تجاوزت 79%.
والسؤال المطروح الآن: ما الذي جعل جهاز الاستثمار العُماني يحقق هذه النسبة العالية من الأرباح؟!
تتمحور الإجابة عن هذا السؤال المحوري في النقاط الآتية:
1- وجود مديرية للبحوث الاقتصادية والاستثمارية في الجهاز لرفد المسؤولين بالمعلومات عن الأسواق المحلية والعالمية، والتي تعد نقطة تحول في مسار اتخاذ القرارات الصائبة التي تُبنى على المعرفة واستقراء المستقبل، فذلك بمثابة البوصلة الصحيحة التي تُوَجِّه نحو وضع الأموال في مكانها الصحيح وعلى وجه الخصوص "محفظة الأجيال" التي تُمثِّل الذراع الخارجي أو العالمي وتُشكِّل نحو 38% من إجمالي أصول جهاز الاستثمار التي تتجاوز 53 مليار دولار.
2- أن المرسوم السلطاني بتشكيل مجلس إدارة للجهاز بعضوية 3 وزراء مختصين في المجال المالي ووكيل وزارة المالية، إضافة إلى شخصية دولية وازِنة ومختصة في الاستثمارات العابرة للقارات، مثّل تحولًا جوهريًا في مسيرة الجهاز؛ فالعضو المنتدب لمجلس الإدارة حاليًا هو الخبير السنغافوري (كوا تشونغ سينغ)، والذي كان يشغل المقعد الدولي في الدورة السابقة من شمال أوروبا، وهذا التنوع في الخبرات الدولية يجعل الأمر في الاتجاه الصحيح. ولتحقيق الشفافية والحيادية لا يوجد من يُمثِّل الإدارة التنفيذية للجهاز في مجلس الإدارة الذي يتولى رسم السياسات العامة، وكذلك يطلع على الدراسات التي يُقدِّمُها الجهاز ثم يدرس الفرص والمخاطر، وبعد ذلك يتخذ القرارات التي يراها مناسبة، بحيث يقوم المختصون في جهاز الاستثمار بتنفيذ تلك القرارات وتطبيقها كلٌ في مجاله.
3- ورِثَ جهاز الاستثمار مجموعةً من الشركات الحكومية التي كانت تستنزف أموال الدولة وتذهب كرواتب ومكافآت للرؤساء التنفيذيين ورؤساء المجالس من الوزراء، وقد وُضعت معايير جديدة لعمل تلك الشركات، كما جرى تخفيض رواتب كبار المسؤولين فيها، وبالفعل تحقق نوع من التوازن بين الدخل والخسائر، بحيث تحولت إلى شركات مُدرة للربح؛ فالذراع الاستثماري الداخلي والمعروف بـ"محفظة التنمية الوطنية" والتي تمثل أكثر من 60% من إجمالي الأصول، تضم أكثر من 160 شركة محلية، وتحقق أرباحًا سنوية بنسب نمو تصل في بعض السنوات إلى 20%.
لا شك أننا اليوم نعيش مرحلة جديدة وغير مسبوقة في نمو الاستثمارات العُمانية في الخارج؛ إذ يمكن أن نطلق عليها بما يعرف بـ"الأيام الذهبية" للجهاز؛ إذا ما عرفنا أننا أصبحنا ضمن أفضل صناديق الثروة السيادية في العالم؛ مثل الصندوق الاستثماري النرويجي الذي يعد الأكبر من حيث الأصول المقدرة بـ2 تريليون دولار أمريكي مسجلًا العام الماضي نموًا سنويًا في الأرباح بـ15%، بينما سجل الصندوق السيادي الصيني 30% نموًا بالأرباح في عام 2024.
وفي الختام.. وللحفاظ على هذه الإنجازات الاقتصادية التي ترفد خزانة الدولة سنويا بـ800 مليون ريال عُماني منذ 2021، فإنَّ دراسة المخاطر في بعض المناطق الساخنة في العالم النامي، أصبح من الضروريات لتجنب الوقوع في فخ بعض الدول التي تعاني الحروب والصراعات العرقية؛ إذ إن الدول الغربية تعتمد على وكالات أنباء دولية مثل رويترز وغيرها، لمعرفة جذور الصراعات التي قد تظهر في المستقبل؛ وذلك قبل ضخ الأموال في المشروعات الاستثمارية المستهدفة، والتي قد لا ترجع مرة أخرى في بعض الأحيان بسبب الفساد المالي والإداري في تلك الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية التي تقود انقلابات عسكرية بين وقت وآخر وتفتقد إلى الاستقرار والأمن.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
