د. عبدالله باحجاج
جرى مُؤخرًا تسجيل المُؤشر الجغرافي للُبان العُماني في المنظمة الدولية للملكية الفكرية "الويبو" وهي خطوة مهمة لبلادنا في ظل التنافس المتزايد على تسجيل المؤشرات الجغرافية للمنتجات المحلية؛ لأنها أصبحت أداة مهمة في الاقتصاد الحديث، لذلك فإنَّ عملية تسجيله في منظمة الويبو تهدف لحماية إرث تاريخي وتعزيز اقتصاد ظفار المحلي، وترسيخ اسم بلادنا في الأسواق العالمية.
وقد تأسست الويبو عام 1967، وتهدف بشكل رئيسي إلى تعزيز حماية الملكية الفكرية في جميع أنحاء العالم من خلال التعاون بين الدول. والتساؤل الذي ينبغي أن يُطرح هنا هو: كيف ينبغي استثمار هذه الخطوة ثقافيًا واقتصاديًا وأن يكون لها انعكاسات ملموسة على المجتمع والدولة معًا؟
تاريخيًا اللُبان يُعد جزءًا من تاريخ محافظة ظفار، ويُشكِّل الهوية الثقافية لها، ولا يزال حتى الآن يُشكِّل مصدر رزق للكثير من المواطنين، لكنه ما زال يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجهود الفردية والخبرات التقليدية المتوارثة، وكان منذ آلاف السنين جسرًا حضاريًا ربط جنوب الجزيرة العربية بمراكز الحضارة في العالم القديم؛ إذ خرج هذا المنتج الفريد من جبال ظفار وسهولها ليشُق طريقه عبر القوافل البحرية والبرية مُشكِّلًا أحد أعمدة التجارة العالمية قديمًا، بعدما أدركت الحضارات القديمة القِيمة الروحية والاقتصادية للُبان، ولم يعد اللُبان الآن مجرد إرث تاريخي أو منتج عطري تقليدي؛ بل أصبح محل اهتمام واسع في مجالات البحث العلمي والطب الحديث، فبعض الأبحاث أثبتت أن اللُبان يحتوي على زيوت طيارة ومركبات مهمة مضادة للالتهاب ومُسكِّنة للألم، وداعمة لجهازي المناعة والتنفسي وتعزيز صحة الجهاز العصبي ودعم صحة الفم، كما له استخدامات تجميلية. وبعض الدراسات الأولية تشير إلى أن مركبات اللُبان قد يكون لها دور في تثبيط نمو بعض الخلايا غير الطبيعية ودعم الصحة العصبية والتركيز، وبعض هذه النتائج ما تزال قيد البحث.
وهذا يعني أن خطوة تسجيل المؤشر الجغرافي للُبان العُماني في منظمة الويبو خطوة مهمة وعاجلة في ظل تلكم السياقات؛ لأنه يربط اللُبان كمنتج بمكانه الأصلي وخصائصه الطبيعية، ويمنع أي منتج آخر في العالم من استخدام هذا الاسم ما لم يكن مصدره الحقيقي من عُمان، وبذلك تحمى سمعة منتجنا من التقليد والاستغلال في الأسواق الدولية.
وهنا نرى أنه ينبغي أن تكون الخطوة التالية إنشاء جمعية لمنتجي اللُبان في ظفار لكي تشكل مظلة تجميع المنتجين، وتوحيد جهودهم، وتدافع عن مصالحهم الاقتصادية، وتعمل على تحسين جودة الإنتاج وتسويقه، وإدارة المخاطر المحدقة بأشجار اللُبان كالاستنزاف والانقراض والأيدي الوافدة، من هنا تحتاج أشجار اللُبان إلى حماية مستدامة ومن المجتمع المحلي البيئي لها.
والخطوتان ستضمنان دخلًا معتبرًا لمُنتجي اللُبان، وكذلك فرص عمل جديدة للباحثين عن عمل، خاصةً إذا ما علمنا أن إنتاج الشجرة الواحدة يصل إلى 3 كيلوجرامات في حين يبلغ سعر الكيلوجرام الواحد 90 دولارًا؛ أي أغلي من النفط، فكيف إذا ما تعمَّقت الدراسات العلمية حول فوائد اللُبان الطبية والتجميلية، والأخرى المذهلة التي في صدد الأبحاث العميقة؟ وقد بدأت مؤسسات اكاديمية عُمانية وعالمية تكتشف إمكانيات اللُبان كأهم أحد المنتجات الطبيعية في الطب التكميلي والصناعات الدوائية؛ فشجرة اللُبان أحد كنوز الطبيعة، ومُعمِّرة، ومقدسة، ولها هيبة في صمودها في الجبال والصحراء برائحتها العطرية.. وقد تذهب بالاكتشافات المقبلة إلى تعظيم قيمتها فوق التصور الذهني الحالي.
كما يمكن أن يُعوَّل على الجمعية تنظيم موسم سنوي إقليمي/ عالمي للُبان لضمانة دخل للمجتمع المحلي، وكذلك تنظيم عمليات تسويقه وفتح قنوات جديدة للتصدير وتشجيع الصناعات المرتبطة باللُبان مثل العطور والمنتجات الطبية والتجميلية، مما سيعزز من القيمة السياحية لظفار مع وجود مواقع تاريخية مرتبطة بتجارة اللُبان مثل أرض اللُبان التي تعد شاهدًا على الدور الحضاري الذي لعبته ظفار في التجارة العالمية القديمة. ويصبح الطموح الوطني الان: كيف يمكن تحويل اللُبان من مورد تقليدي محدود إلى قطاع اقتصادي واعد يحمل اسم سلطنة عُمان إلى الأسواق العالمية، مع ما يستلزم ذلك من تحويل منتج اللُبان إلى علامة عالمية عبر هذا المؤشر الجغرافي لكي يصبح رمزًا لبلادنا ويمنحها مكانة عالمية مرموقة.
ونرى أن ما نطرحه هنا ينبغي أن يكون ضمن أولويات المجلس البلدي الجديد في ظفار خلال الفترة الرابعة (2027- 2030)، وعليه تبنِّي مبادرة الجمعية، وجعل اللُبان ضمن أهم مقومات إقامة اقتصاد محلي بالرؤى التي اوضحناها سابقًا. وفي اطار ما يعول على اللامركزية في إقامة اقتصاديات محلية يكون لها انعكاسات مباشرة وملموسة على صناعة إيرادات محلية مستدامة، وتوفير فرص عمل للباحثين، وكلنا ثقة في معالي الدكتورة ليلي النجار وزير التنمية الاجتماعية في التجاوب مع مثل هذه المبادرات التي تصنع التحولات، وتساهم في إحداث نقلة نوعية وكمية في مسيرة المجتمعات المحلية؛ لأن هذا التجاوب يدخل في صميم السلط التنفيذية القيادية، ولن يحدث الفارق في التحولات ما لم ينفتح الفكر القيادي على التحولات التي تحدث من خارج الصندوق الاعتيادي، لأن من كبرى هواجسنا الوطنية شغل المجتمعات المحلية بما يفيدها في حاضرها لبناء مستقبلها، وجعلها متفائلة به.
