يقظة الشعوب.. بداية التحول العالمي

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

اليوم، وبعد أن انكشفت وحشية استعمار أُعيد استنساخه بصورة أكثر حداثة وحدّة، وعارية تمامًا من القيم، لم يعد الواقع الدولي يحتمل التجميل أو التخفيف؛ بل إنَّ الواجب يدعو إلى نقده وتعريته بصوت عالٍ؛ فالعالم الذي قُدِّم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م بوصفه نموذجًا للنظام الدولي الليبرالي القائم على منظومة من القوانين والاتفاقيات الدولية ومبادئ السيادة وحقوق الإنسان، ينكشف اليوم في هشاشته الأخلاقية والسياسية. وما نعيشه ونشهده اليوم هي لحظة الانكشاف التاريخي لنظامٍ ادّعى العدالة، بينما أُدير ويدار دائمًا بميزان القوة بعيدًا جدًا عن ميزان الحق.

من غزة إلى إيران والعراق ولبنان، إلى مناطق متعددة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، تتكرر المأساة ذاتها بأسماء مختلفة: دماءٌ تُراق، وشعوب تُدفع ثمن صراعات لا تملك قرارها. وفي المقابل، تقف المؤسسات الدولية عاجزة، أو متواطئة بصمتها، بعد أن أُفقدت القدرة أو الإرادة على أداء الدور الذي من المفترض أنها أُنشئت من أجله.

إن ما يُسمّى بالنظام الدولي الليبرالي، الذي استمر قرابة 8 عقود، لم يسقط فجأة، بقدر ما وُلِدَ مريضًا وتآكل تدريجيًا تحت وطأة التناقض بين شعاراته وممارساته. وإلاّ كيف يمكن لنظام يدّعي حماية القانون الدولي أن يغض الطرف عن انتهاكاته الصارخة؟ وكيف يُمكن لمؤسساتٍ أنشئت لحفظ السلم أن تتحول إلى منصات شكلية تُدار وفق مصالح القوى الكبرى؟

وتتجلى الأزمة بوضوح في اختلال موازين القوى بين الدول الكبرى؛ حيث لم يكن القانون الدولي يومًا، مرجعًا حاكمًا، بل أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح وتُهمل حين تعارضها. وما يزيد المشهد قتامةً، هو تصاعد النزعات الأحادية في إدارة السياسة العالمية؛ حيث تتحول القرارات المصيرية إلى رهائن لرؤى ضيقة ونهج استعراضي لا يعترف بتعقيد العالم ولا بكرامة الشعوب.

وليس بعيدًا عن ذلك، تتكاثر الأمثلة على التدخلات الخارجية التي تتجاوز حدود السياسة إلى فرض الإرادة بالقوة، سواء عبر العقوبات الاقتصادية الخانقة أو التدخلات المباشرة وغير المباشرة في شؤون الدول. وفي حالات مثل فنزويلا، تتداخل الضغوط السياسية مع السيطرة على الموارد، في مشهد يعكس استمرار منطق الهيمنة تحت عناوين مختلفة.

هذه الوقائع مجتمعةً لا تُشير سوى إلى خللٍ بنيويٍّ في النظام الدولي ذاته. نظامٌ لم يُولد قادرًا على تحقيق الحد الأدنى من العدالة، ولا حتى الحفاظ على توازن مستقر بين القوى. وهو ما يطرح سؤالًا ملحًا: هل ما نشهده هو نهاية فعلية لهذا النظام، أم مجرد طورٍ من أطوار تحوله؟

وسط هذا كله، فإن الحقيقة الأوضح هي أن الشعوب هي الخاسر الأكبر؛ إذ تدفع كُلفة الحروب، وتتحمل آثار العقوبات، وتُقصى عن مراكز القرار التي تحدد مصيرها. وبينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ، تتآكل حياة الناس اليومية، وتتراجع فرصهم في الأمن والكرامة.

والانحياز لقضايا الشعوب، أصبح ضرورة فكرية وسياسية؛ فالعالم بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النظام الدولي، ليكون قائمًا على العدالة الحقيقية لا على موازين القوة، وعلى الشراكة لا على الإخضاع، وعلى احترام سيادة الشعوب لا على التدخل في شؤونها.

ربما لا يكون الطريق إلى إصلاح المنظومة الدولية سهلًا، لكن أولى خطواته تبدأ بالاعتراف بأنَّ ما كان يُقدَّم كنموذجٍ عالمي قد فقد شرعيته الأخلاقية. ومن هنا، فإنَّ مستقبل النظام الدولي لن يُبنى من فوق، عبر صفقات القوى الكبرى، بل من الأسفل، عبر نضال الشعوب وإصرارها على انتزاع حقها في تقرير مصيرها.

حين ينهار النظام، تبدأ الحكاية من جديد؛ حيث تكتبها الشعوب هذه المرة، باعتبارها فاعلًا يصوغ مصيره، لا موضوعًا للقرارات، تكتبها بإرادتها التي لم تُهزم، وبوعيٍ يتراكم من خيبات الماضي، وبإصرارٍ على كسر معادلة القوة التي طالما وضعتها في موقع المتلقي لا الشريك.

هناك ومن بين ركام الحروب والأزمات، تتشكل ملامح عالمٍ جديد، تصوغه وتبني أساساته هذه المرة؛ الشعوب، لا القوى الكبرى، لا يقوم على الغلبة، بل على التوازن، ولا على الإخضاع، بل على الاعتراف المتبادل بإنسانية الجميع وبحقهم بالعيش الحر الآمن.

الأكثر قراءة

z