حمد الحضرمي **
لم يعد الإعلام في زمن الأزمات مجرد ناقلٍ للأحداث، بل أصبح في كثير من الأحيان لاعبًا خطيرًا في صناعتها وتوجيه مسارها. وما نشهده اليوم في بعض القنوات والمنصات الإعلامية ليس انحرافًا عابرًا، بل تحوّلًا مقلقًا نحو إعلامٍ بلا ضمير، يتغذى على التوتر، ويقتات على الأزمات، ويصنع منها مادةً يومية للتهييج والتحريض.
لقد برز نموذجٌ أكثر خطورة من الإعلام المنحاز، يتمثل في منصات “المذيع الواحد”؛ حيث يجلس مقدم البرنامج منفردًا، بلا ضيوف، بلا رأي آخر، بلا توازن. يتحدث بثقة مطلقة، وكأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، بينما هو في الواقع يقدّم رواية واحدة موجهة، تُصاغ بعناية لتخدم أجندة محددة. هذا النمط لا يفتح باب الحوار، بل يغلقه، ولا يبحث عن الحقيقة، بل يفرضها فرضًا على المشاهد.
الأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء المُقدِّمين لا يتحدثون من منطلق مهني مستقل، بل يظهرون وكأنهم أصوات موجهة من أجهزة رسمية، يكررون خطابًا سياسيًا معينًا، ويهاجمون دولًا وشعوبًا وشخصيات بعينها، مستخدمين لغة الاتهام والتشكيك والسخرية، دون أن يمنحوا الطرف الآخر أدنى فرصة للرد أو التوضيح. هنا لا نتحدث عن إعلام، بل عن أداة تأثير وتوجيه تتجاوز كل معايير المهنية.
وفي مفارقة لافتة، تجد هذا “المذيع” يوجّه سهامه إلى الخارج، ناقدًا سياسات دول أخرى، ومشككًا في نواياها، بينما يتجاهل تمامًا قضايا بلده، وهموم شعبه، وتحديات مجتمعه. وكأن مهمته ليست إصلاح الداخل، بل إشعال الخارج. وهذا بحد ذاته يكشف طبيعة الدور الذي يؤديه: إعلام تحريضي لا إصلاحي، هدّام لا بنّاء.
هذا النوع من المنابر لا يكتفي بتضليل المشاهد، بل يذهب أبعد من ذلك، فيُسهم في تأجيج الفتن بين الشعوب، وتسميم العلاقات بين الدول، عبر بث أخبار غير دقيقة، أو معلومات مجتزأة، أو حتى روايات مفبركة تُقدّم على أنها “حقائق حصرية”. ومع سرعة انتشار هذه المقاطع عبر وسائل التواصل، تتحول الأكذوبة إلى “رأي عام”، ويصبح التصحيح لاحقًا بلا أثر يُذكر.
إن ما يحدث ليس حرية إعلام، بل فوضى موجهة. وليس نقدًا مشروعًا، بل حملات منظمة تتجاوز حدود اللياقة والسيادة، وتمس كرامة الدول والشعوب دون رادع. وفي المقابل، يبقى الإعلام المهني الحقيقي هو ذلك الذي يلتزم بالعدالة، ويستضيف جميع الأطراف، ويعرض الوقائع كما هي، دون زيادة أو نقصان، ويمنح المشاهد فرصة الفهم لا التلقين. إعلام يطرح الأسئلة الصعبة، لكنه لا يصدر الأحكام المسبقة، ويبحث عن الحقيقة لا عن الإثارة.
إن المرحلة تتطلب وقفة جادة وحازمة لوضع حد لهذه التجاوزات التي خرجت عن كل إطار مهني وأخلاقي. وهنا تبرز مسؤولية وزارات وهيئات الإعلام في الدول الخليجية والعربية، إلى جانب المؤسسات الإقليمية، وعلى رأسها مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، لإقرار ميثاق شرف إعلامي مُلزِم، يضع ضوابط واضحة، ويمنع خطاب الكراهية والتحريض، ويُلزم المنصات الإعلامية بالتوازن والحياد، ويُخضع المخالفين للمساءلة. حتى تعود للإعلام هيبته وأمانته وصدقه.
كما أن من الضروري محاسبة القنوات والمنصات “المُدلَّلة” التي تمادت في تجاوزاتها، ووضعت نفسها فوق القانون، مستغلة غياب الرقابة أو ضعفها، حتى أصبحت مصدرًا دائمًا للأزمات بدل أن تكون وسيلة لفهمها واحتوائها. فالإعلام مسؤولية، لا منصة للعبث، والكلمة أمانة، لا أداة للتحريض. وإن لم يتم وضع حد لهذا الانفلات، فإن الخطر لن يقف عند حدود قناة أو دولة، بل سيمتد ليصيب وعي الشعوب، ويهدد استقرار المنطقة بأكملها.
إنها منابر إعلام بلا ضمير… لا تنقل الحقيقة، بل تطمسها، ولا تهدئ الأزمات، بل تشعلها، ولا توحّد الشعوب، بل تزرع بينها الشقاق. وحين تتحول هذه المنابر إلى أدوات فتنة، وتصبح الكلمة سلاحًا مأجورًا يُوجه لضرب الدول وتمزيق الشعوب... فإن الصمت لم يعد حيادًا، بل تواطؤٌ صريح، وجريمة في حق الحقيقة والاستقرار.
إن حماية وعي الشعوب لم تعد مسألة ثانوية، بل خط الدفاع الأول عن أمن الأوطان واستقرارها. فإما إعلام مسؤول يوحّد الصفوف ويكشف الحقيقة... أو منابر إعلام بلا ضمير تزرع الفتنة، وتكتب بوعيٍ زائف فصول أزماتٍ لا تنتهي.
** محامٍ
