سهام بنت أحمد الحارثية
بعد نشر مقالي السابق "هل نحتاج إلى رئيس أقوى أم مؤسسة أقوى؟" تابعت باهتمام كبير ما كُتب من ردود وتعليقات ومداخلات، سواء من منتسبين أو رجال أعمال أو أعضاء حاليين وسابقين في الغرفة.
ولعلَّ أكثر ما أسعدني أنَّ النقاش لم يتجه نحو الأشخاص، بل اتجه نحو المؤسسة. لم يكن السؤال من هو الرئيس، ومن هو المرشح، ومن مع من، بل كان السؤال: كيف يمكن أن تصبح الغرفة أكثر قدرة على تمثيل القطاع الخاص وخدمته؟
هذا التحول في الحوار مهم لأن مستقبل الغرفة لن يصنعه الأشخاص وحدهم، بل ستصنعه الأفكار التي نتفق عليها، والإصلاحات التي نمتلك الشجاعة للمطالبة بها، والآليات التي تضمن استدامة المؤسسة بعد تعاقب المجالس والقيادات، ومن بين الردود التي استوقفتني، تلك التي أشارت إلى أن جوهر القضية ليس في تغيير الأسماء، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين الغرفة ومنتسبيها.
وأعتقد أن هذا هو التحدي الحقيقي؛ فالمنتسب لا يبحث عن مؤسسة تتحدث باسمه فقط، بل عن مؤسسة يستمع فيها صوته، ويشعر بأنه شريك في قراراتها، ويرى أثر مساهمته في مسارها ولهذا أرى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى عقد جديد بين الغرفة ومنتسبيها، ليس عقدًا قانونيًا، بل عقد ثقة!
عقد يقوم على مبدأ بسيط: أن الغرفة وجدت لخدمة منتسبيها، وأن نجاحها يقاس بمدى قدرتها على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم وتحسين بيئة أعمالهم، لقد كشفت ردود الفعل على المقال السابق عن مطلب متكرر يستحق التوقف عنده، وهو توسيع المشاركة، فكثير من المنتسبين في المحافظات يشعرون أن المسافة بينهم وبين صناعة القرار ما زالت أكبر مما ينبغي وهم يتساءلون: لماذا لا تكون المشاركة أسهل؟ ولماذا لا تستفيد الغرفة من الأدوات التقنية التي تمكن الجميع من حضور الجمعيات العمومية والتصويت وإبداء الرأي أينما كانوا؟
هذه ليست قضية إجرائية فحسب، بل قضية تمثيل وعدالة ومشاركة فكلما اتسعت دائرة المشاركة، ازدادت قوة القرار ومشروعيته.
كما أظهرت التعليقات رغبة واضحة في أن يكون للقطاعات الاقتصادية المختلفة صوت أقوى داخل الغرفة فالصناعة لها أولوياتها، والسياحة لها تحدياتها، والتقنية لها متطلباتها، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لها احتياجاتها المختلفة، ومن الطبيعي أن يتطلع المنتسبون إلى دور أكبر للجان القطاعية، وإلى مشاركة أوسع للفروع في المحافظات، بحيث تصبح الغرفة أكثر قربًا من الواقع الاقتصادي الذي تمثله.
أما الرسالة الأبرز التي لمستها من كثير من المتابعين؛ فهي أن القطاع الخاص لم يعد يقيس نجاح الغرفة بعدد الفعاليات أو الاجتماعات أو الوفود، الاهتمام اليوم يتجه نحو سؤال أكثر أهمية: ما الأثر؟ ما الذي تحقق فعليًا؟ وما القيمة التي عادت على المستثمر ورائد الأعمال وصاحب المؤسسة؟
وهذا سؤال مشروع، بل هو السؤال الذي يجب أن تتبناه أي مؤسسة تسعى إلى التطور، إن المرحلة القادمة تمنحنا فرصة مهمة لإعادة تعريف العلاقة بين الغرفة ومنتسبيها.
علاقة تقوم على المشاركة بدلًا من الاكتفاء بالحضور وعلى الشفافية بدلًا من الاكتفاء بالمعلومات العامة وعلى التمثيل الحقيقي بدلًا من التمثيل الشكلي وعلى قياس الأثر بدلًا من الاكتفاء بقياس النشاط، ولهذا فإن الانتخابات القادمة يجب ألا تكون مجرد منافسة على المقاعد، بل فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من العمل المؤسسي. مرحلة يشعر فيها المنتسب أن صوته مسموع وتشعر فيها القطاعات الاقتصادية أن أولوياتها ممثلة وتشعر فيها المحافظات أن حضورها في صناعة القرار يوازي مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
لقد أكدت ردود الفعل على المقال السابق أن لدى منتسبي الغرفة وعيًا متقدمًا ورغبة صادقة في الإصلاح والتطوير وهذه فرصة ينبغي ألا تضيع؛ فالمؤسسات لا تتغير بقرار واحد، ولا بمجلس واحد، ولا بشخص واحد. إنما تتغير عندما يتفق أصحاب المصلحة على رؤية مشتركة لمستقبل أفضل. وأعتقد أن الوقت قد حان لكي نبدأ هذا التحول. ليس من أجل مجلس قادم، ولا من أجل دورة انتخابية جديدة؛ بل من أجل غرفة أكثر تمثيلًا، وأكثر تأثيرًا، وأكثر قدرة على خدمة القطاع الخاص العماني في السنوات القادمة.
ننتظر كل من تعب من التنظير ويبحث عن حل حقيقي في اجتماع الجمعية العمومية تاريخ 16 يونيو 2026 ليصنع التغير ولا يبقى متلقياً له.. ففي النهاية، الغرفة ليست مبنى ولا مجلس إدارة، الغرفة هي منتسبوها، وكلما اقتربت منهم، اقترب النجاح وتحقق.
