مدرين المكتومية
نعيش وسط إيقاع حياة مُتسارعة، تنتقل لنا الأخبار والصور والمعلومات بصورة سلسة، نضع تعليقاً هنا، ونضع علامات الإعجاب في مكان آخر، وفي الكثير من الأحيان لن نسمح لأنفسنا حتى بقراءة النص إلا ونكون قد قمنا بنشره على شريحة كبيرة ممن نسميهم أصدقاء، وهو أمر جيِّد في بعض الأحيان، ولكنه في أحيان كثيرة يُعد أمراً في غاية الخطورة، خاصة وأن التحديات التي تعيشها المجتمعات لم تعد تقتصر على التحديات الاقتصادية وحسب؛ بل إن هناك ما يُسمى بـ"حرب المعلومات" والأخبار المُضلِّلة التي تنتشر بسرعة البرق عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذا الأمر في حد ذاته خطر قد يجُر مجتمعاً بأكمله نحو الهاوية، فعلى الرغم مما قدمته التكنولوجيا من فرص للمعرفة وتبادل الخبرات والتواصل بصورة أسرع وأسهل، إلا أنها ساهمت بصورة كبيرة أيضا في فتح الباب أمام حملات ممنهجة ومنظمة تستهدف التضليل والتشويه وتساهم في إثارة الشكوك وانقسامات داخل المُجتمع.
خلال الفترة الماضية، بات من الملاحظ أن هناك محاولات استهداف لسلطنة عُمان عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية التي تنشر معلومات أو صورًا أو مقاطع فيديو مُفبرَكة، أو مستقطعة ويتم تلفيقها وكأنها أحداث حقيقية، بحيث يجري تداولها بصورة واسعة بهدف الإساءة للمؤسسات الوطنية أو التشكيك بمنجزات الدولة، أو إثارة البلبلة بين أفراد المجتمع، والبعض منها يُسهم في خلق مشاكل بين الدول الخليجية والعربية. وجزء كبير من هذه الحملات ممنهج يستهدف إضعاف اقتصادنا سياحيًا وعمرانيًا وثقافيًا وترفيهيًا، وجزء آخر منها أجده يُلامس أهواء ضعاف النفوس الذين يُريدون نشر وترويج كل ما هو تشكيكي ومضلل وعديم المضمون؛ بهدف نيل مزيد من الشهرة أو رغبة منهم في إرباك المشهد العام، أو لحاجة في نفس يعقوب!!
ولا يخفى على الجميع أنَّ هذه الحملات لا تستهدف حدثاً ووضعاً معيناً أو قضية بعينها، بل تسعى بالدرجة الأولى لخلق حالة مستمرة من التشكيك وفقدان الثقة، وهي إحدى الأدوات التي يعتمد عليها كحروب تستخدم ضد الجيل الجديد.
وأخطر ما في هذه الأخبار أو الصور أو المقاطع ليس المحتوى الذي تتضمنه، بقدر خطورتها في سرعة الانتشار، وتداولها بصورة واسعة دون التأكد من مدى صحتها، فبضغطة زر يقوم أحدهم بنشر معلومة مغلوطة لآلاف الأشخاص لتتحول بعد ساعات إلى "حقيقة"- في أعين الكثيرين- وتكون حديث المجالس والتجمعات، رغم افتقارها لمصدر موثوق على أقل تقدير، ومن هنا تبرز أهمية "الوعي المجتمعي" لما يُمثله من خط دفاع أول في مواجهة مثل هذه الظواهر.
ولأننا نعيش في هذه المساحة المفتوحة، علينا ألا نصدق كل ما يمر بين أيدينا، ولا كل ما نقرأ، بل علينا أن نتعامل مع كل شيء بعقلانية تامة واتزان؛ فالبحث عن المصدر والتحقق من كل شيء والرجوع للجهات الرسمية في القضايا العامة، جميعها ممارسات باتت مهمة وضرورية، ولم تعد خيارا، وعندما نتيقن بأدوارنا فإننا بالتأكيد لن نقوم بنشر ما هو مشبوه لأنه يمثل بالتأكيد مسؤولية أخلاقية ووطنية، ومحاولة النشر وتداول معلومات غير صحيحة ولو دون قصد هي جزء من التضليل.
وعُمان كما عرفها الجميع بمواقفها الثابتة ونهجها المتوازن تقوم دائماً على الحوار والسلام ودعم الحق والعدالة وتحقيقها، لذلك قد تجد نفسها أمام مزيد من المحاولات الإعلامية التي تستهدف تشويه صورتها والنيل من مكانتها، وهذا الأمر لا يعد حالة بعينها وإنما أكثر الدول التي تمتلك حضورا ومواقف مؤثرة ولها رأي مستقل فهي أكثر من يتعرض لمثل هذه المحاولات للنيل منها، لذلك علينا أن نعرف أن تماسك المجتمعات وقوتها لا يقوم فقط بما تملكه من إمكانيات وموارد بل بقدرتها على معرفة ما هو مزيف وما هو حقيقي، وبين أن يكون نقدا للإصلاح أو حملات موجهة، فالحفاظ على الثقة الوطنية والتماسك المجتمعي يُعد مسؤولية مشتركة تبدأ من الأفراد قبل المؤسسات.
إننا في مرحلة تتطلب ثقافة إعلامية لكافة شرائح المجتمع والعمل على التحقق من كل معلومة قبل نشرها، ومعرفة أن الوعي في حد ذاته إحدى معارك هذا العصر، فكما نحمي حدود أراضينا، علينا أن نحميها في فضاءات العالم الرقمي المشحون بالتضليل واستهداف العقول.
