أبي لماذا حرمتني من الزواج؟!

 

حمد الحضرمي **

"أبي… تقدم لخطبتي رجلٌ صالح كفء، يشهد الناس بأخلاقه ودينه، فلماذا رفضته؟" قالت كلماتها بصوتٍ مرتجف، بينما كانت تنظر إلى الأرض خوفًا من غضب أبيها. لكنه أجابها ببرود: ليس من مستوانا، ووظيفته بسيطة وراتبه ضعيف، وأسرته لا تناسبنا اجتماعيًا. صمتت… فهي تعرف أن القرار ليس بيدها، وأن أمها لا تملك سوى النظرات الحزينة والدعاء الصامت، أما هي فقد تربّت على الطاعة العمياء، وعلى أن صوت الأب لا يُناقش مهما كان الثمن.

مرت السنوات… وكلما تقدم رجل، وجد الأب سببًا جديدًا للرفض: مرةً لأن وظيفته بسيطة، ومرةً لأنه لا يملك بيتًا، ومرةً لأن قبيلته أو عائلته ليست مِنَّا، ومرةً لأنه لا يملك المال الكافي. وحين أصبحت البنت موظفة، تغيرت الأسباب، فأصبح راتبها جزءًا من حسابات الأب، وأصبحت فكرة زواجها تعني خسارة دخلٍ اعتاد عليه.

أما هي… فكانت تكبر بصمت. ترى زميلاتها يحملن أطفالهن، ويعشن حياتهن الطبيعية، بينما هي تعود كل ليلة إلى غرفتها، تخفي دموعها خلف ابتسامةٍ متعبة، وفي داخلها سؤالٌ يحرق قلبها "أبي لماذا حرمتني من الزواج؟!".

هذه مشكلة يتجاهلها المجتمع، وهي ليست قصة فتاة واحدة، بل مأساة تتكرر بصور مختلفة في كثير من البيوت. فبعض الآباء لم يعودوا ينظرون إلى الزواج على أنه سكينة ورحمة واستقرار، بل حولوه إلى مشروع معقد تحكمه الطبقية والعادات والطمع وكلام الناس.

والضحية دائمًا هي البنت، فهي تعيش بين نارين، نار رغبتها الفطرية في الزواج والاستقرار، ونار خوفها من مخالفة أبيها أو عقوقه. وللأسف بعض الفتيات يقتلن مشاعرهن بصمت، وبعضهن يدخلن في اكتئابٍ ووحدةٍ وانكسار نفسي مؤلم، وأخريات يشعرن أن العمر يُسرق منهن يومًا بعد يوم، والمؤلم أكثر، أن المجتمع غالبًا يلوم الفتاة، بينما السبب الحقيقي قد يكون أبًا أغلق كل الأبواب بيده.

لقد جاء الإسلام لييسر الزواج لا ليعقده، وليحفظ المرأة لا ليحبسها حتى يذبل عمرها. قال الله تعالى "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" (البقرة: 232)، والمعنى أن يمنع الولي أو الأب ابنته من الزواج برجل صالح كفؤ، لأسباب غير شرعية. وقال النبي ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه"، فلم يجعل المعيار قبيلة، ولا منصبًا، ولا رصيدًا بنكيًا، بل دينًا وخلقًا وقدرةً على بناء حياة مستقرة، لكن البعض اليوم جعلوا الزواج سباقًا للمظاهر، فضاعت الأعمار، وكثرت العنوسة، وازدادت المعاناة النفسية والاجتماعية في صمتٍ مؤلم.

وقانون الأحوال الشخصية العماني المستند إلى الشريعة الإسلامية نظم الولاية في الزواج، لكنه لا يعطي الأب أو الولي حق التعسف أو الإضرار بالبنت؛ فإذا ثبت للقاضي أن الولي يرفض بدون سبب شرعي معتبر، يمكن للبنت أن تلجأ إلى القضاء للنظر في دعوى العضل، وقد تنتقل الولاية إلى القاضي لإتمام الزواج إذا تحققت الكفاءة والمصلحة الشرعية. ونوصي البنت في كل الحالات بالإحسان إلى الأب مهما بلغت الإساءة منه؛ لأن الإساءة لا تُسقط حقه في البر به، والإحسان إليه، بموجب أمر الله وسنة نبيه الكريم. 

والأصل في الولي أن يكون حافظًا لمصلحة ابنته، لا سببًا في تعطيل حياتها أو ضياع فرصها في الزواج. لكن في المقابل، إذا كان رفض الولي قائمًا على أسباب شرعية حقيقية؛ مثل سوء الدين، أو الانحراف الأخلاقي، أو الضرر الواضح، فله حق الرفض حفاظًا على مصلحة ابنته. ولذلك فالمعيار الشرعي ليس هوى الولي أو العادات وحدها، بل الدين والخلق والكفاءة والمصلحة الحقيقية للبنت.

أيها الآباء… ليست البطولة أن تتحكم بمصير ابنتك حتى يضيع عمرها بين الرفض والتعنت، وليست الرجولة أن تكسر قلب ابنتك بحجة العادات أو القبيلة أو كلام الناس. ابنتك ليست راتبًا شهريًا، وليست ورقة تفاخر اجتماعي، وليست سجينة تنتظر مزاجك وقرارك.

هي إنسانة لها قلب، ومشاعر، وأحلام، وحقٌ في حياة كريمة وأسرة وبيت وأطفال. فكم من فتاة دفنت شبابها بسبب أبٍ ظن أن التشدد قوة، حتى اكتشف متأخرًا أنه حطم قلب وروح ابنته بيديه.

أيها الآباء... اتقوا الله في بناتكم، فالسنوات لا تعود، والأعمار إذا ذهبت لا تُعوّض، والدعوات المكسورة في جوف الليل لا تخطئ. فربما تأتي لحظة تقف فيها ابنتك أمامك بعينٍ دامعة، وقلبٍ منهك، وتقول "أبي لماذا حرمتني من الزواج؟!" فماذا سيكون جوابك لها؟ أيها الأب، كسر قلب ابنتك ليس ولاية، بل مسؤولية سيسألك الله عنها. فالزواج سترٌ وسكينة ورحمة، وليس بابًا يُغلق بمزاج أو عناد.

** محامٍ

الأكثر قراءة

z