جُمانة اللواتي
"المبدأ الأول هو ألّا تخدع نفسك، وأنت أسهل شخص يمكن خداعه" ريتشارد فاينمان.
*******
تستيقظ منصات التواصل الاجتماعي بين فترة وأخرى على موجات من الذعر الرقمي؛ مقاطع مصورة و"يوميات" تُوثِّق رحلة مشاهير أو صناع محتوى في زوايا معُتِمة لفيلا مهجورة؛ حيث الكاميرا تهتز، والأنفاس تتسارع، والصراخ يملأ الفضاء الافتراضي بذريعة ملاحقة كيانات خفية أو قوى ماورائية. هذا التدفق المستمر لحكايات الرعب ليس مجرد "ترند" عابر، بل يبدو امتدادًا لفضول إنساني قديم تجاه المجهول؛ فالبشر، على اختلاف خلفياتهم ومستوياتهم المعرفية، ينجذبون بطبيعتهم إلى القصص التي تدور على حدود ما نعرفه وما نعجز عن تفسيره.
في هذا الفضاء، ينقسم المتابعون عادةً إلى ضفتين: ضفة تؤمن بالقصة من منطلق ثقافي أو ديني ترى في الغيب جزءًا من نسيج الكون، وضفة أخرى تختار تفسير كل ما يحدث عبر عدسة العلم والتجربة القابلة للاختبار. لكن ربما لا تكمن المسألة في المُفاضلة بين هذين المعسكرين بقدر ما تكمن في سؤال إبستيمولوجي (معرفي) آخر: كيف نعرف أن أداة القياس التي نعتمدها للحكم على الواقع ليست هي الخدعة الأولى؟ وكيف نتأكد أن تفسيرنا للأحداث هو التفسير الأقرب إلى الحقيقة؟
هندسة البقاء: العقل البدائي والمكابح العلمية
لكي نفهم هذا الذعر، قد يكون من المفيد العودة إلى الوعي البدائي. وكما يشرح الباحث مايكل شيرمر في كتابه "الدماغ المعتقد"، فإن الإنسان الأول جُبل على نمط تفكير حذر يفترض وجود قصد أو خطر وراء الأحداث العشوائية لضمان البقاء. عندما كان يسمع حفيفًا غامضًا خلف أشجار غابة مظلمة، كان عقله يقفز سريعًا إلى احتمال وجود مفترس يتربص به.
وربما كانت هذه الآلية مفيدة تطوريًا؛ فلو أخطأ الإنسان وافترض وجود خطر غير موجود، فلن يخسر سوى بعض التوتر المؤقت. أما لو تجاهل الخطر الحقيقي، فقد يدفع حياته ثمنًا لذلك. ولهذا يرى علماء النفس التطوري أن أدمغتنا الحديثة ما تزال تحمل آثار تلك البرمجة القديمة التي تميل إلى رصد التهديدات وتجسيدها حتى في البيئات الآمنة نسبيًا.
بعد قرون طويلة، جاء المنهج العلمي ليؤدي وظيفة مختلفة؛ ليس بإلغاء هذه الغرائز، بل بإبطائها وإخضاعها للفحص. فبدلًا من القفز إلى الاستنتاجات، يدعونا التفكير النقدي إلى القياس والتجريب والبحث عن الأنماط الحقيقية وسط ضجيج المصادفات.
نحن قد نقع في فخ الروابط الوهمية عندما نتخلى عن هذه المكابح؛ تمامًا كرياضي يعتقد بنوع من الانحياز الإدراكي أن دخوله أرض الملعب بقدمه اليسرى وتكرار إيماءة معينة هما السبب المحوري وراء تسجيله للأهداف، رابطًا بين طقس حركي عابر ومصادفة فوز، أو ككاتب يعتقد أن نوعًا معينًا من الأقلام هو السر الوحيد وراء تدفق أفكاره وقبول مقالاته، متجاهلًا في الحالتين سنوات التدريب والقراءة والجهد الحقيقي الذي صنع هذا النجاح فعليًا.
إسقاطات الدماغ: من ساحرات سايلم إلى سجادة العبادة
عندما نرخي هذه المكابح قليلًا في العتمة، يفتح لنا علم الأعصاب وعلم النفس أبوابًا مثيرة للتأمل؛ ففي مقدمتها ظاهرة "الباريدوليا" (Pareidolia)، وهي ميل الدماغ إلى البحث عن الأنماط والمعاني داخل الصور والأشكال العشوائية. وربما لهذا السبب يرى بعض الأشخاص- بناءً على خلفياتهم الثقافية والدينية- صورًا لشخصيات مقدسة كالإمام الحسين أو يسوع المسيح منسوجة على الجدران القديمة، أو تفاصيل السجاد، أو حتى قطع الطعام. وفي سياق موازٍ، قد يرى آخرون ملامح حاكم يبجلونه مرسومة وسط الغيوم. لا يعني ذلك بالضرورة أن ما يراه الإنسان غير حقيقي بالنسبة إليه؛ بل قد يعني أن الدماغ يشارك بدور أكبر مما نتخيل في تشكيل ما نعتقد أننا نراه، مسقطًا ما يمتلئ به الوعي مسبقًا على الوجود الخارجي.
وإذا تزامنت هذه الظاهرة مع بيئات مشحونة بالخوف أو الترقب، فقد تنشأ حالات من التأثر والهستيريا الجماعية تجعل مجموعة من الأفراد تفسر المشاهدات والأصوات الغامضة بالطريقة نفسها تقريبًا. ولعل حادثة "ساحرات سايلم" الشهيرة في القرن السابع عشر تُطرح كثيرًا كمثال تاريخي على الكيفية التي يمكن أن تتفاعل بها المعتقدات المسبقة مع الخوف والعزلة الاجتماعية لإنتاج تصورات جمعية لأحداث غامضة صدقها مجتمع كامل. فالخوف بطبيعته حالة معدية. وما يراه فرد واحد على أنه تهديد غامض قد يتحول، في بيئة مناسبة، إلى يقين جماعي يصعب التشكيك فيه.
رأسمالية الذعر في غابات ماليزيا
هذا الولع البشري بالخوارق والغموض- والذي يمتد من نبوءات "نوستراداموس" القديمة إلى فولكلور الشعوب- لم يعد مجرد حكايات تُروى في الظلام؛ بل أصبح في بعض الأماكن جزءًا من صناعة ترفيهية وسياحية متنامية. وتُذكر ماليزيا كثيرًا ضمن الوجهات العالمية التي تنتشر فيها قصص المنازل والفلل المهجورة؛ ومجرد بحث سريع على الإنترنت يوضح كيف تحولت بعض الفنادق الشهيرة هناك إلى مزارات لعشاق الإثارة ومطاردة الأشباح.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه المواقع تقوم على الخداع المُتعمَّد، لكن بعض التجارب السياحية قد تُستثمَر في الأجواء البصرية والرطوبة العالية والقصص المتداولة دون ترميم للمباني، وقد تلجأ لدعم المحيط بمؤثرات حركية وصوتية ذكية تعمل بالحساسات لتعزيز الإحساس بالغموض لدى الزائر. وفي مثل هذه البيئات قد يصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين ما يراه الإنسان فعلًا، وما يتوقع مسبقًا أن يراه، محولًا هندسة ترفيهية مدفوعة الثمن إلى ملاحقة ماورائية تستهدفه في فيديوهاته الشخصية.
تشريح الوهم في "الفن السابع"
السينما العالمية لم تكن بعيدة عن هذا التفكيك، بل قدمت مرارًا نماذج تطرح أسئلة حول العلاقة المعقدة بين الخوف والإدراك. ففي فيلم (الساحرة) "The Witch"- مثلًا- نرى تجسيدًا سينمائيًا كابوسيًا لأجواء القرن السابع عشر؛ حيث تتضافر العزلة القاتلة، وتلف المحصول الزراعي، وعقد الذنب الداخلية، لتحول أحداثًا عادية أو هلاوس إلى يقين بوجود قوى شيطانية في الغابة المجاورة، مؤكدةً أن المخاوف تنبع من الداخل لتتجسد في الخارج ككيان مخيف.
والمفارقة أن هذا المسار لا يقتصر على الفن وحده؛ فحتى المؤسسات الدينية التاريخية التي تتعامل مع مثل هذه الملفات أصبحت في كثير من الحالات أكثر حذرًا مما يظنه البعض. ففي فيلم مثل (The Pope's Exorcist) أو (طارد الجن البابابوي)، يُشار إلى بروتوكول الفاتيكان الحقيقي؛ حيث تُحال الحالات التي يُعتقد أنها مرتبطة بالمَس أو الظواهر الخارقة أولًا إلى مختصين في الطب النفسي وطب الأعصاب لاستبعاد الاضطرابات البيولوجية قبل تبني أي تفسير آخر. وربما يعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لأهمية تقديم مشرط العلم قبل الانتقال إلى فرضيات أكثر استثنائية، تاركًا تلك المساحة الضئيلة معلقة في فضاء التساؤل المعرفي.
المسلك الثالث: التفكير قبل الانحياز
في نهاية المطاف، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت كل قصة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي صحيحة أم خاطئة، بل كيف نتعامل معها عندما نسمعها؛ فالعلم لا يطلب مِنَّا إنكار كل ما لا نفهمه، كما أن التفكير النقدي لا يقتضي السخرية من كل تجربة لا نستطيع تفسيرها فورًا.
ولعل أكثر ما يميز المنهج العلمي ليس امتلاكه لإجابات نهائية جازمة، بل استعداده الدائم لمراجعة الإجابات نفسها كلما ظهرت أدلة جديدة وعبر الشك المنهجي البنّاء. ومن هنا ربما يكون التحدي المعرفي موجهًا إلينا جميعًا: ليس فقط أن نفحص ادعاءات الآخرين وصناع المحتوى خلف الشاشات، بل أن نفحص افتراضاتنا نحن أيضًا، وأن نسأل أنفسنا بين حين وآخر: هل نتبع الأدلة إلى حيث تقودنا، أم أننا نبحث فقط عما يؤكد ما نعتقده مسبقًا؟
قد لا نمتلك إجابة نهائية لكل قصة غامضة تُروى على الشاشات، لكننا نمتلك أداة ثمينة حاول العلم تطويرها عبر قرون طويلة: التمهل قبل التصديق، والبحث قبل الجزم، والاستعداد الدائم لمراجعة ما نظنه يقينًا. فالعالم سيظل أوسع وأكثر تعقيدًا من أن نختزله في تفسير واحد، وأدمغتنا ستظل قادرة على صناعة أكثر القصص إقناعًا… ولهذا ربما كان التفكير النقدي أقل إثارة من القصص الغامضة، لكنه يظل أحد أكثر أدواتنا موثوقية في الاقتراب من الحقيقة.
