حمد الحضرمي **
ليست كلُّ امرأةٍ خرجت من بيتها مُطلَّقة كانت سيئة، وليس كلُّ قصة طلاق بدأت بخيانة أو انحراف أو كراهية، أحيانًا تبدأ المأساة بكلمةٍ غاضبة، أو رجلٍ لا يعرف معنى المسؤولية، أو أهلٍ يتدخلون حتى يخنقوا الحياة الزوجية، أو مجتمعٍ يجلد المرأة وحدها ويُبرِّئ الرجل ولو كان هو السبب الحقيقي في الانهيار.
أنتِ طالق، كم من امرأةٍ سقط قلبها بعد سماعها؟ كم من طفلٍ ضاع بين أمٍّ مكسورة وأبٍ غاضب؟ كم من بيتٍ تحوّل من سكنٍ ورحمة إلى ساحة حرب وصراخ وانتقام؟ المُؤلم أنَّ بعض الأزواج ينطقون الطلاق وكأنَّه تهديد يومي، أو وسيلة لإثبات الرجولة والسيطرة، بينما الحقيقة أن الرجولة ليست في كسر المرأة، بل في احتوائها والصبر عليها وحماية الأسرة من الانهيار.
بعض الأزواج يدخل الزواج بعقلية السيطرة لا الشراكة، يُريد امرأة بلا رأي، بلا تعب، بلا مشاعر، بلا أخطاء، فإذا اختلفت معه أو قصّرت يومًا، رفع سلاح الطلاق فورًا. وبعض الزوجات أيضًا يساهمن في إشعال النار داخل البيت، بالتحدي المستمر، أو المقارنات، أو كشف أسرار الحياة الزوجية للأهل والصديقات، أو تحويل كل مشكلة صغيرة إلى معركة كرامة وكبرياء.
ثم يأتي دور بعض الأهالي الذين يتدخلون في كل تفصيل، فيفسدون أكثر مما يصلحون. أمٌّ تحرّض ابنها على زوجته، أو أهلٌ يزرعون الشك والكراهية، أو يضغطون من أجل الطلاق بدل الإصلاح، حتى يتحول البيت إلى ساحة صراع بين عائلتين.
إن ساحات المحاكم الشرعية والأحوال الشخصية لم تعد تستقبل حالات قليلة ومتفرقة كما كان في السابق، بل أصبحت مزدحمة بدعاوى الطلاق والخُلع بشكل يُثير القلق والخوف على مستقبل الأسرة والمجتمع. فكم من امرأةٍ تقف اليوم أمام القاضي تطلب خلع زوجها، وكم من بيتٍ انتهى داخل أروقة المحاكم بعدما عجز الطرفان عن التفاهم والإصلاح.
ولم يأتِ قانون الأحوال الشخصية العُماني لتنظيم الطلاق والخُلع فقط، بل جاء أساسًا لحماية الأسرة وحفظ الحقوق وتحقيق التوازن بين الزوج والزوجة؛ فالقانون أوجب على الزوج النفقة، والمعاملة بالمعروف، وتأمين المسكن الشرعي المناسب، وعدم الإضرار بزوجته نفسيًا أو جسديًا. وفي المقابل، أوجب على الزوجة احترام الحياة الزوجية، ورعاية البيت والأبناء، وعدم الإضرار بالزوج أو الإخلال بواجباتها الأسرية.
كما أن القانون أعطى للمرأة حق طلب الطلاق أو الخُلع إذا تعرضت للضرر أو استحالت العشرة بينها وبين زوجها، حمايةً لكرامتها وحقوقها الإنسانية. لكن المشكلة ليست في النصوص القانونية، بل في سوء التطبيق، وضعف الوعي، وغياب ثقافة الحوار والإصلاح قبل الوصول إلى أبواب المحاكم.
ولا يمكن إنكار أن بعض النساء تعرّضن فعلًا للظلم والقهر والإهمال والعنف، فكان الخلع بالنسبة لهن باب نجاة أخيرًا بعد استنفاد كل وسائل الصبر والحلول. لكن في المقابل، ظهرت أيضًا حالات أخرى مؤلمة، أصبح فيها بعض النساء يطلبن الانفصال لأسباب سطحية أو بدافع تقليد الآخرين، أو بسبب فهمٍ خاطئ لمعنى الحرية والاستقلال، أو عدم القدرة على تحمل مسؤولية الحياة الزوجية وتربية الأبناء والصبر على ضغوط الحياة.
والأخطر من ذلك، أن هناك من أصبح يتعامل مع خراب البيوت وكأنه أمر عادي، بلا خوف على الأطفال، ولا مراعاة لحرمة الأسرة، ولا إدراك لحجم الدمار النفسي والاجتماعي الذي يتركه الانفصال خلفه. هذه ليست قضية رجل ضد امرأة، ولا امرأة ضد رجل، بل أزمة وعي حقيقية تهدد استقرار المجتمع كله. فالأسرة ليست لعبة تُكسر عند أول خلاف، والزواج ليس تجربة مؤقتة تُنهى عند أول ضيق أو ملل أو مشكلة عابرة.
ومن أقسى صور الظلم في العلاقة الزوجية، أن تُحمَّل المرأة وحدها مسؤولية عدم الإنجاب، وهو سببًا لتحطيمها، فتبدأ نظرات الاتهام، والكلمات الجارحة، والضغوط النفسية، وكأنها ارتكبت جريمة. وللأسف بعض الرجال يطلّق زوجته فقط لأنها لم تُنجب، دون صبر، دون علاج، دون رحمة، ودون التأكد من أن المشكلة ليست منها. أيُّ ظلمٍ هذا؟ وأيُّ قسوةٍ تجعل امرأةً تُهان وتُذلّ وتُطلّق بسبب أمرٍ ليس بيدها؟ وكم من امرأة صبرت وأخلصت ووقفت مع زوجها في أصعب الظروف، ثم كان جزاؤها الطلاق لأنها لم تنجب! وكم من رجلٍ أخفى الحقيقة الطبية عن الناس، وترك المجتمع يذبح زوجته بالكلام والاتهامات حفاظًا على صورته فقط!
وتنعكس آثار الخلافات الزوجية والطلاق والخلع على الأطفال، الذين يتأثرون لهذه النهاية، فكم طفلٌ يرى أباه يصرخ على أمه، أو يسمع الشتائم والتهديدات، أو يعيش بين النزاعات والمحاكم، هذا الطفل لا ينسى هذه الأحداث طوال حياته، يكبر وفي داخله خوف، واضطراب، وحرمان عاطفي، وربما كراهية للزواج نفسه. وبعض الأطفال يتحولون إلى ضحايا نفسية صامتة، لأن الكبار كانوا مشغولين بالانتقام من بعضهم أكثر من اهتمامهم بمستقبل أبنائهم.
ومن أبرز الأسباب الحقيقية للطلاق والتي أصبحت تهدم البيوت اليوم، ضعف الوعي بمعنى الزواج الحقيقي، والغضب السريع وغياب الحوار، وتدخل الأهل بشكل مدمّر، والمقارنات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والضغوط المالية والبطالة والديون، والخيانة والكذب وفقدان الثقة، والإهمال العاطفي والجفاف في المشاعر، وتحميل المرأة وحدها مسؤولية الإنجاب، وغياب الصبر والتفاهم وتحمل المسؤولية، والفهم الخاطئ لمعنى الحرية والاستقلال لدى بعض الأزواج، والتأثر السلبي ببعض المحتويات التي تستهين بالحياة الزوجية وتدفع نحو الانفصال بدل الإصلاح.
وقبل أن تنهار بيوت أكثر بسبب كثرة دعاوى الطلاق والخلع في المحاكم، علينا نشر الوعي والرحمة في المجتمع بين الأزواج، ويجب أن يفهم الزوج أن المرأة ليست آلة للخدمة والإنجاب فقط، بل إنسانة لها مشاعر وكرامة وتعب وأحلام، وعلى الزوجة أن تدرك أن الاحترام والحكمة والاحتواء تحفظ البيت أكثر من العناد والصدام المستمر، ويجب وقف تدخل الأهالي السلبي، فبعض البيوت لم تهدمها المشاكل، بل هدمتها النصائح المسمومة والتحريض اليومي، ونحتاج إلى ثقافة حقيقية للحوار والصبر والإصلاح بين الأزواج، ومعالجة المشكلات بالحكمة لا بالاندفاع والغضب، ويجب حماية الأطفال نفسيًا بعد الطلاق، وعدم استخدامهم كسلاح للانتقام بين الأب والأم.
إنَّ البيوت لا تُهدم دائمًا بسبب الخيانة، أحيانًا يهدمها الغضب، والأنانية، والكبرياء، والجهل، وكلمة أنتِ طالق خرجت في لحظة تهور. اتقوا الله في النساء، فليست كل امرأة تستطيع أن تنهض بعد الكسر، وليست كل مطلقة خرجت مذنبة، وليس كل رجلٍ نطق الطلاق كان على حق. واتقوا الله في الأطفال، فقلوبهم ليست ساحة حرب لتصفية الحسابات، فخلف كل دعوى طلاق أو خلع، هناك قلبٌ مسكور، وطفلٌ خائف، وأسرةٌ كانت تحلم بالسكينة والرحمة والمودة.
أيها الأزواج، لا تنسوا الفضل بينكم، واعلموا أن الطلاق ليس بطولة، وليس استعراض قوة، وليس حلًا لكل خلاف، إنه قرار قد يترك خلفه امرأةً محطمة، وطفلًا ضائعًا، وأسرةً لا تعود كما كانت أبدًا. قبل أن تقول: أنتِ طالق، تذكر أن كلمةً واحدة قد تهدم بيتًا، وتكسر قلبًا، وتشتّت أطفالًا، وتترك خلفها عمرًا من الندم لا يُعوض، ومن الحكمة أن تُصلح ما استطعت، لا أن تهدم كل شيء في لحظة غضب.
** محامٍ
