ريتّا دار
من الأمور التي لا تخبرك بها الغربة.. أنك قد تشتاق إلى مكان سنوات كاملة، ثم حين تقترب منه فعلًا، يُصيبك توتر مع بعض التردد.
أنا الآن على باب البلد التي أعرفها جيدًا، أو التي كنت أعرفها جيدًا. وهذا فرق مهم.
الطائرة تهبط، والقلب يسبقها كعادته. كل شيء في داخلي كان مستعدًا لهذه اللحظة منذ زمن طويل. اشتياق مُؤجل، صور محفوظة، أصوات أعرفها من الذاكرة أكثر مما أعرفها من الواقع.
لكن الوصول دائمًا يختلف عن الخيال. في الخيال يبدو المشهد واضحًا جدًا: مطار، حقيبة، حضن، ضحكة، ودمعتان لطيفتان في مكانهما المناسب.
أما في الحقيقة؛ فالوصول في سوريا لا يزال يحتفظ بطريقته الخاصة في مفاجأتك. من اللحظة الأولى، يبدأ قلبك بالعمل ساعات إضافية. تراقب الوجوه. الحقائب. الأصوات.
من الطائرة كنت أنظر من النافذة بحماس محترم جدًا، فقلبي كان يسبق الطائرة بعشرين دقيقة على الأقل.
هبطنا أخيرًا.
ومن اللحظة الأولى شعرت أنني وصلت فعلًا. ليس بسبب المطار - فالمطارات كلها تشبه بعضها بطريقة مريبة؛ بل بسبب تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يخطئها القلب.
اللهجة التي تبدأ من أول كلمة. العجالة في المشي. التنهيدة الطويلة قبل أي جواب. والوجه الذي يقول لك "أهلًا".. وكأنَّه يعرفك منذ زمن حتى لو لم يرك في حياته.
وقفت أنتظر حقيبتي. وكانت حقيبتي، كعادتها، تتعامل مع الموقف بكرامة زائدة. كل الحقائب وصلت. حقيبتي وحدها قررت أن تدخل بعد الجميع كأنها شخصية مُهمة لا يناسبها الظهور المبكر.
أخذتها أخيرًا، وخرجت.
ومنذ الدقائق الأولى، دخلت في اختبار جديد لم أكن مستعدة له: العملة الجديدة. أمسكت النقود بثقة لا تستند إلى أي معرفة حقيقية، وحاولت التصرف كأنني أفهم تمامًا ما يجري، لكن أعتقد أن محاولاتي باءت بالفشل.
بائع ما قال رقمًا. أنا هززت رأسي بثقة وأعطيته مبلغًا ما. وأخذ مني ما أراد وأعاد لي ما أراد، وانتهى المشهد بسرعة محترفة جدًا.
وقفت بعدها أحاول الحساب في رأسي، ثم قررت أن أتوقف احترامًا لصحتي النفسية.
حتى هذه اللحظة، لا أملك أي دليل قاطع إن كان الرجل أنصفني فعلًا.. أم أنني موّلت جزءًا من يومه من باب الحنين الوطني وفرحة العيد.
والأطرف من ذلك أن الجميع هنا يتعامل مع الموضوع بسهولة مدهشة، وكأن الحساب الذهني السريع صار مهارة سورية يومية لا تُدرّس، بينما أنا ما زلت حتى الآن أعيش بسؤال واحد فقط: ترى.. اليوم تحديدًا، كم مرة دخلت مساهمة مالية مفتوحة لن أعرف قيمتها يومًا!
بعد خروجي من المطار بدأت الرحلة الحقيقية. ركبت السيارة. وبدأت المدينة تمر أمامي من خلف الزجاج.
وفي أول خمس دقائق فهمت شيئًا واضحًا جدًا: سوريا ما زالت تعرف كيف تستقبلك.. لكنها لم تعد هي نفسها تمامًا.
الطرق نفسها. المباني نفسها. الزوايا التي أحفظها منذ سنوات. لكن هناك شيئًا مختلفًا في المشهد كله.. تفاصيل غريبة. تلك التفاصيل التي صارت جزءًا من المشهد اليومي لدرجة أن أحدًا لم يعد يشرحها. أشياء تبدو كأنها مؤقتة.. لكنها باقية منذ زمن.
وجوه تتعامل مع يومها بخفة مدهشة، كأن الاعتياد اختراع محلي قديم. ومشهد عام يشبه بيتًا أعاد ترتيب نفسه عشر مرات، وكل مرة قال بثقة: "الآن صار أفضل."
ثم أكمل يومه كالمعتاد.
الشيء الذي لا يتغير هنا فعلًا.. هو الناس. نفس السرعة في الكلام. نفس المقاطعة الجماعية داخل الجملة الواحدة. حتى الناس هنا صار عندها ذلك النوع الخاص من الذكاء. الذكاء الذي يجعلك تعرف متى تسأل. ومتى لا تسأل. ومتى تكتفي بالنظر من النافذة، وتهز رأسك بحكمة، كأنك فهمت كل شيء.. بينما أنت لم تفهم شيئًا أصلًا.
في الطريق مررنا بثلاثة ازدحامات، وشارعين مغلقين، وتحويلة لا يعرف أحد أين تبدأ ولا أين تنتهي.
وفي الطريق، تذكرت بسرعة أن البلد ما زالت تحتفظ بموهبتها القديمة جدًا في جعل أبسط الأمور تبدو كأنها مغامرة غير متوقعة.
الشارع نفسه قد يبدأ بشكل منطقي ومحترم جدًا.. ثم يقرر في منتصفه أن يغيّر رأيه. لا أحد يندهش. الجميع يتعامل مع التفاصيل اليومية بثقة تثير الإعجاب، وكأن المفاجآت الصغيرة جزء من التصميم الأصلي.
اللافت هنا أن الناس لم تعد تسأل كثيرًا لماذا. وهذه، في رأيي، مهارة متقدمة جدًا. أن ترى شيئًا غير مفهوم تمامًا.. ثم تهزّ رأسك بهدوء، وتكمل طريقك، وكأن المنطق نفسه صار من الكماليات التي يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر. وفي أفضل الحالات قد تعبر بكلمتين أو اثنتين على الأكثر.
وهذا من الأشياء التي ما زالت البلد تتقنها جدًا. أن تقول لك الكثير.. من دون أن تقول شيئًا تقريبًا.
وصلنا أخيرًا.
وما إن فُتح الباب حتى بدأ الاستقبال السوري المعتاد. الجميع يتكلم في الوقت نفسه. الجميع يسأل الأسئلة نفسها. والجميع مقتنع أنني لا آكل جيدًا رغم الزيادة الواضحة في وزني.
في دقيقة واحدة كان عندي ماء ومئة وثلاثة اقتراحات للعشاء، وسؤالان عن الرحلة، وخمس ملاحظات عن شكلي.
ثم جلست. أنظر حولي. وأحاول أن أستوعب. وفي لحظة واحدة، شعرت أن الطريق كله انتهى.
كل التعب الذي جمعته من السفر، وكل القلق، وكل العدّ التنازلي الذي عشته قبل الرحلة.. اختفى بطريقة غريبة جدًا. وقفت للحظة، وسط الكلام والضحك والفوضى المعتادة، وفهمت الفكرة البسيطة:
لقد كنت مشتاقة لكل هذا. حتى للأصوات المتداخلة. حتى للفوضى.
لتلك التعويذة السورية القديمة.. أن كل شيء يبدو على وشك ألا يكون منظمًا تمامًا.. ثم، بطريقة لا يفهمها أحد، يمضي يومه.. ويكمل.
