البُعد الديني في السياسة الأمريكية

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، وما تحمله من لغة ذات طابع ديني، تعكس بوضوح طبيعة تفكير يميل إلى تديين السياسة وقراءة الصراعات من منظور نبوئي، حيث تُختزل التعقيدات الجيوسياسية في ثنائيات أخلاقية حادّة، وتُضفى على بعض السياسات مسحة من الشرعية العقائدية داخل دوائر القرار في واشنطن.

الرجل الذي خدم في أفغانستان والعراق ويحمل وشم "صليب القدس" بعد زيارة لإسرائيل، يُعد من أبرز الوجوه المرتبطة بالتيار المعروف بـ«الصهيونية المسيحية»، وهو تيار يربط السياسة بالتصورات الدينية المتعلقة بنبوءات نهاية الأزمنة.

خلال العقود الأخيرة تحوَّل هذا التيار من حركة دينية هامشية إلى قوة مؤثرة داخل الحياة السياسية الأمريكية، خصوصًا في أوساط المحافظين والإنجيليين. وتقوم رؤيته على الاعتقاد بأن قيام دولة إسرائيل وتوسعها جزء من مسار تاريخي ديني يقود إلى تحقق نبوءات وردت في تفسيرات إنجيلية للكتاب المقدس. ووفق هذا التصور تصبح الصراعات في الشرق الأوسط جزءًا من سياق عقائدي أوسع، وليست نزاعات سياسية تقليدية.

هذا البُعد الأيديولوجي يفسر جزئيًا طبيعة الدعم السياسي والعسكري الواسع الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل؛ فبالنسبة لقطاعات مؤثرة داخل هذا التيار، لا يقتصر الأمر على تحالف استراتيجي بين دولتين؛ بل يمتد إلى قناعة دينية ترى في دعم إسرائيل التزامًا عقائديًا. ومع اتساع حضور هذه الرؤية في الخطاب السياسي الأمريكي، يتزايد القلق من تأثيرها في صياغة السياسات المتعلقة بالمنطقة.

في هذا السياق، تبدو السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية -من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية إلى الحديث المتكرر عن تهجير سكان غزة- جزءًا من واقع سياسي يجد دعمًا قويًا في واشنطن. كما أن استمرار هذا الدعم رغم الانتقادات الدولية الواسعة يعزز الاعتقاد بأن التحالف بين البلدين يتجاوز الحسابات التقليدية للسياسة الدولية.

ويزداد التوتر في المنطقة عندما يترافق هذا الخطاب مع لغة تنطوي على ازدراء واضح لمعتقدات الآخرين؛ فتصريحات تصف معتقدات أمة كاملة بأنها "أوهام نبوية" لا تفتح بابًا للحوار أو التهدئة؛ بل تغذي سرديات الصدام الديني وتعمّق الانقسامات في منطقة تعاني أصلًا من أزمات طويلة ومعقدة.

إنَّ فهم ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يتطلب النظر إلى أكثر من زاوية. فإلى جانب الحسابات العسكرية والتوازنات الجيوسياسية، هناك أيضًا بعد أيديولوجي وديني يتزايد حضوره في خطاب بعض النخب السياسية في الغرب. وهذا البعد يمكن أن يدفع السياسات نحو خيارات أكثر حدة، خصوصًا عندما تُفسَّر الصراعات المعاصرة من خلال تصورات دينية مرتبطة بنهاية التاريخ.

لذلك يصبح من الضروري مناقشة هذه الخلفيات الفكرية بوضوح، لأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُختزل في قراءات أيديولوجية للنصوص الدينية، ولا أن يتحول إلى ساحة لتحقيق تأويلات غيبية للصراع. فالقضايا التي يعيشها الشرق الأوسط اليوم تتعلق بحقوق شعوب وأوطان، وبمبادئ القانون الدولي والاستقرار الإقليمي.

إنَّ أي مقاربة مسؤولة للصراع في المنطقة يجب أن تنطلق من هذه الحقائق، لا من تصورات دينية تُستخدم لتبرير السياسات أو لإضفاء الشرعية على واقع سياسي معقد ومؤلم.

الأكثر قراءة

z