خالد بن سالم الغساني
عندما يخرج الرئيس الأمريكي ليقدّم قراءة تُحمّل إيران مسؤولية أحداث دموية طالت مدنيين داخل أراضيها، فإننا لا نكون سوى أمام منطق استعماري متجذر؛ منطق يمارس الجريمة، ثم يمتلك الوقاحة على تأويلها بما يخدم سرديته.
ليست المشكلة في التصريح وحده، فمثل ترامب كثيرون ممن يعيدون إنتاج الخطاب ذاته بوجوه مختلفة، ويتناوبون على تبرير القوة وشرعنة سرديتها، إنما المشكلة في البنية الإمبريالية التي تسمح لخطاب القوة بأن يُفرض كـ"حقيقة".
ولم يعد التصعيد مواجهة عسكرية لوحدها، بل تحول أيضًا إلى معركة سرديات؛ حيث تتكاثر الروايات بقدر ما تتكاثر الضربات، وتصبح الحقيقة نفسها ساحة اشتباك لا تقل ضراوة عن الميدان، ونحو مئات الضحايا المدنيين يتحولون إلى "رواية" يمكن دحضها أو إعادة تشكيلها، بينما الجلاد يتحدث باسم "التحقيق الموضوعي".. إنها جريمة مُركبة بحق دماء الأبرياء وبحق الحقيقة التي تُغتال.
هذا هو جوهر المنطق الاستعماري؛ ليس فقط امتلاك القوة، بل امتلاك القدرة على تزوير الحدث وإعادة كتابته لحظة وقوعه، فحين تتكلم القوة، لا تكتفي بالفعل، بل تفرض روايته بوصفها الحقيقة الوحيدة، وتُقصي كل احتمال آخر، وتغلق الباب حتى قبل اكتمال الصورة.
ذلك هو منطق الأعور؛ عينٌ واحدة تبسط رؤيتها الناقصة على العالم، وتطالب الآخرين بأن يروا بها.. وما أكثر الذين آثروا العمى أمام حدّة تلك العين العوراء.
هذا النمط من الاستعلاء ليس جديدًا، شهدناه عندما بُني غزو العراق على كذبة أسلحة الدمار الشامل، وعندما سُوّقت حرب فيتنام باسم "الحرية"، وفي فلسطين حيث تمارس سلطات الاحتلال الاستيطاني يوميًا القتل والتشريد تحت عناوين "الدفاع عن النفس"، وكل هذه النماذج، لم تكن الحقيقة هي ما يُبحث عنه، بل ما يُصاغ بما يخدم موازين القوة.
تصريحات ترامب هي امتدادٌ فجّ لذاكرة استعمارية ترى أن غير الغربي لا يملك حقّ رواية ذاته، إنها تعكس ذهنية الغطرسة والجبروت الإمبريالي، التي تؤمن بأن القوة تمنح الشرعية، ليس فقط لفعل ما يحدث، بل لكتابته أيضًا، ومن يملك أدوات الحرب، يملك كذلك أدوات تشكيل الوعي العام، عبر منظومات إعلامية ومنصات رقمية قادرة على إعادة إنتاج الرواية وتكريسها حتى تبدو بديهية لا تقبل النقاش.
الأخطر أن هذا الخطاب لا يكتفي بتجاهل الضحايا، بل يحاول إلغاء وجودهم الإنساني، فحين تقوم بنفي جريمة أو إعادة توجيهها لتُحمّل لطرف آخر، فأنت لا تغيّر الوقائع فحسب، بل تخبر العالم أن دماء هؤلاء لا تستحق الحقيقة.. إنها إبادة معنوية تمهّد للإبادة الجسدية أو توازيها، حيث يُقتل الإنسان مرتين، مرة بالفعل، ومرة في السرد.
وفي سياق العدوان الصهيوأمريكي على إيران، لا يمكن التعامل مع هذا النمط من الخطاب بوصفه مجرد اختلاف في التقدير أو قراءة بديلة للأحداث، فنحن أمام اختلال فادح في ميزان القوة وميزان الأخلاق، تُستخدم فيه الحقيقة كسلاح لا كغاية. وهنا، لا يصبح الحياد موقفًا أخلاقيًا، بل يتحول إلى انحياز ضمنيٍّ لمن يملك القدرة على فرض روايته.
إن منطق القوة هذا ليس وليد اليوم؛ إنه ابنٌ شرعيٌّ لمنطق الاستعمار، غير أن الوقائع أثبتت أن الرواية التي تُفرض بالقوة قد تسود لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقيقة، فالتاريخ يملك قدرةً عنيدةً على استعادة توازنه عبر شهادات الضحايا. الوثائق تبقى، والضمير الحُر يصحو، والمقابر الجماعية لا تُخفي جثثها، والصور التي تُلتقط في لحظة الألم تتحول، مع الزمن، إلى أدلة لا يمكن محوها.
تفككت أكذوبة مبررات غزو العراق، واعترفت مؤسسات أمريكية بأن الحرب بُنيت على أساسٍ باطل، وهذا دليل على أن خطاب القوة قصير العمر، مهما بدا صاخبًا في لحظته فالحقيقة لا يمكن أن تكون روايةً تُصاغ في مراكز قرار القوة؛ إنها حصيلةُ تراكمِ الأدلة والتجارب الإنسانية التي لا يستطيع جيشُ ترامب ونتنياهو محوها.
تلك التصريحات، تكشف عن تصور متعالٍ للعالم، يرى أن الشعوب المقهورة لا تستحق تفسيرًا، بل تكتفي بما تمليه القوة. غير أن التجربة الإنسانية تؤكد أن الحقيقة قد تُؤجل وتُشوّه، لكنها لا تختفي.
السؤال الحقيقي ليس من يملك الصوت الأعلى اليوم، بل من يملك الحق في النهاية، وفي هذا الاختبار الطويل، تنهار روايات القوة حين تفقد سندها من الواقع وتبقى الوقائع، لأن التاريخ ليس ملكًا للقوة ولا للسلطة، مهما زوّرته أو أخفته، بل هو ملكٌ للذاكرة الإنسانية؛ ولعلّ للذاكرة الحرة الشريفة النصيب الأكبر منه.
وسيحين يومٌ تُقرأ فيه أسماء الضحايا كشواهد على صراعٍ أعمق؛ صراعٍ بين القوة والحقيقة. وفي هذا الصراع، قد تتأخر الكلمة الصادقة، لكنها لا تُهزم.
