كيف يمنع المثقّفُ انهيار عقل المجتمع؟

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].

 

لم يكن هذا النداء افتتاحًا تعبديًا فقط، بل وضع قاعدة مهمة: أن المعرفة هي صمام النجاة الأول للإنسان. وفي زمن الحرب، تصبح هذه القاعدة أكثر أهمية، لأن المعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على العقل، حيث يُستهدف التفكير قبل الحدود.

الحروب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل بإرباك العقول وزعزعة اليقين، ودفع الناس للشك في كل شيء، حتى أبسط الحقائق.

"حروب المعلومات" أصبحت سلاحًا فعالًا، تستخدم فيه الصور والبيانات والمحتوى الرقمي لتشكيل الواقع. الأخطر ليس الكذب المباشر، بل مزج الحقيقة بالخداع، حتى يختلط على الناس ما هو صحيح وما هو مضلل، فيرى الناس ولا يُبصرون، يسمعون ولا يعون.

الإعلام، الذي وُجد أصلًا لحماية وعي الناس، يتحوّل أحيانًا إلى أداة لتزييف الحقيقة، يظهر جزءًا ويخفي آخر، فيصبح الخبر رواية، والرواية حقيقة مشوهة، والمجتمع عرضة للضياع التدريجي.

التاريخ يعلّمنا أن الانتصار لا يتحقق بالقوة فقط، بل بالسيطرة على الرواية. اليوم، الخوارزميات تضيف بعدًا جديدًا، تنتج محتوى مقنعًا بسرعة، وتعيد تدويره حتى يبدو حقيقة راسخة.

وإذا غاب وعي المجتمع، يتحول التعدد المعرفي إلى فوضى. سقوط العقل الجمعي يحدث تدريجيًا: إغراق المعلومات، تكرار الرسائل، تمرير الأفكار الغريبة، الاستقطاب الذي يقسم المجتمع. هنا لا يصبح النقاش بحثًا عن الحقيقة، بل صراعًا على تثبيت المواقف، ويهزم العقل وهو يظن أنه يحكم.

والمثقف في زمن الحرب ليس فقط ناقلًا للمعلومات، بل حارسًا للطريقة التي يفكر بها الناس:

- تفكيك البنية لا ظاهر الخبر: ليس السؤال فقط "هل الخبر صحيح؟" بل كيف صيغ، ما الذي أُبرز وما أُخفِي.

- إعادة بناء الثقة: أخطر ما تخلّفه الحروب المعلوماتية انهيار الثقة بالحقيقة. المثقف يعيد للمنهج مكانته، على الدليل لا على المزاج.

- ضبط الانفعال: المحتوى المضلل يُصمّم لإثارة الانفعال، لا لإقناع العقل. المثقف يسمح للعاطفة بالحياة لكنه يمنعها من قيادة الحكم.

لكن.. كيف يحمي الفرد عقله؟

الإنسان يحتاج إلى خطوات عملية: التريث قبل تصديق أي خبر، التحقق من المصدر، المقارنة بين أكثر من رواية، فصل الخبر عن الرأي، الانتباه للغة العاطفية، تقليل كمية المعلومات حتى لا يضيع التحليل.

وهذا ما يوصينا به القرآن: ﴿إِذَا جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

الإعلام يجب أن يراقب الحكومات ويكشف الانحراف، لكنه غالبًا يصبح طرفًا في الصراع عندما تدخل السياسة والمال. كثير من المؤسسات العربية لا تعمل مستقلة، بل منصات خطاب سياسي، فتقلب الحقائق وتضع المشاهد في فخ التضليل.

بعض المنصات الإعلامية تتصرف كما لو أننا في ثمانينيات القرن الماضي، تتجاهل الحقيقة عمدًا، وتتعامل مع العقول كأنها ساحة لعب. تُقلب الحقائق لتبدو الدولة المعتدى عليها هي المعتدية، بينما الدول المحاورة تتصرف وكأنها فوجئت بضرب قواعد العدو على أراضيها. في هذا المشهد، لا يُختطف الحق فقط، بل يُغيّب العقل ويُخطف وعي الجمهور، ليصبح الهُراء الإعلامي مرجعية بدل الحقيقة، ويفقد المجتمع المرجعية في إدراك الأحداث.

الخوارزميات لا تعكس الواقع كما هو، بل كما تحب أن تراه، فتعيد إنتاج قناعاتك داخل دائرة مغلقة. هنا مهمة المثقف أصعب: لم يعد كافيًا عرض الحقيقة، بل عليه كسر الجدران وفتح نوافذ على زوايا أخرى، حتى لا يتحول الوعي إلى مرآة تعكس نفسها فقط.

المجتمع لا يسقط بالهجمات وحدها، بل عندما يفقد مرجعيته الفكرية. المثقف هو خط الدفاع الأخير، ليس لأنه يملك الحقيقة، بل لأنه يحفظ الطريق إليها ويمنع طمس معالمها.

وإذا قام المثقف بدوره، يبقى للعقل معيار يقود القرار ويوازن المواقف، ويظل المجتمع قادرًا على التمييز بين الحقيقة والخداع. وإن تراجع أو غاب، يتحول الصدى إلى مرجع، والخداع إلى واقع، والانهيار إلى نتيجة لا تحتاج إلى إعلان حرب، بل تحدث بهدوء بين ثنايا الوعي المفقود.

الأكثر قراءة

z