هكذا يُعاد تعريف العدو وفق المزاج الأمريكي!

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

قبل أن يُعاد تعريف الأصدقاء والأعداء وفق المزاج السياسي في واشنطن، يجدر التذكير بأن سلطنة عُمان لم تكن يومًا خصمًا للسلام ولا عائقًا أمام الاستقرار الدولي. فمن مسقط مرّت رسائل التهدئة حين انقطعت خطوط التواصل، وعلى أرضها نُسجت تفاهمات أعادت معتقلين أمريكيين إلى أسرهم، وأسهمت وساطاتها في تبادل محتجزين بين الولايات المتحدة وإيران، وفتحت أبوابها لمبادرات إنسانية عديدة في المنطقة، وأدّت أدوارًا دبلوماسية معقّدة لم تكن تبحث من ورائها عن قرقعة الإعلام بقدر ما كانت تسعى إلى إنقاذ الأرواح وتخفيف التوترات.

ولذلك يبدو مستغربًا أن تُقابل دولة بنت رصيدها السياسي على الحوار والاحترام المتبادل بلغة التهديد أو الاستعلاء، وكأن الذاكرة السياسية لا ترى إلا ما يخدم اللحظة الحاضرة.

منذ عام 1948 والعرب يطالبون بإثبات حقهم في أرضهم، بينما لم يُطلب يومًا من العصابات الصهيونية أن تثبت شرعية احتلالها لفلسطين!

عصابات كـ"الهاجاناه" و"الإرجون" و"شتيرن" لم تأتِ إلى فلسطين عبر صناديق اقتراع، ولا عبر تفويض أخلاقي من العالم، بل جاءت بالنار والمجازر والتهجير، وبغطاء غربي كامل. ثم تحولت فجأة في الخطاب الدولي إلى "دولة ديمقراطية"، بينما أصبح أصحاب الأرض "مشكلة أمنية" يُراد لها أن تصمت أو تختفي.

وهكذا كُتب المشهد منذ البداية: الغرب يُسلّح. إسرائيل تحتل. والعرب يُطلب منهم الصمت بحجة "الواقعية السياسية".

والأدهى والأمرّ من ذلك أن بعض الأصوات العربية عميت بصيرتها فلم تعد ترى الاحتلال أصل الأزمة، بل راحت تقنع الناس بأن العدو الحقيقي هو كل من يرفض الهيمنة الغربية أو يقف في وجه المشروع الصهيوني، حتى وإن كان هذا الطرف تحت حصار اقتصادي خانق، أو تهديد عسكري دائم، أو يدفع ثمن موقفه من دم شعبه واستقراره واقتصاده.

دولة تحتل الأرض وتقصف المدنيين وتلتهم ما تبقى من فلسطين تُقدَّم للعالم كضحية تبحث عن السلام، بينما يُصوَّر كل من يرفض الانصياع للمشروع الصهيو-أمريكي على أنه مصدر الخطر والتخريب.

ثم يأتي الرئيس الأمريكي ليضغط على دول عربية من أجل التوقيع على "اتفاقيات أبراهام"، وكأن المنطقة ينقصها مزيد من التنازلات لا مزيد من الكرامة والسيادة.

اتفاقيات لا تمنح الشعوب العربية أمنًا حقيقيًا، ولا استقلالًا سياسيًا، ولا مشروع تنمية يحفظ قرارها، بقدر ما تمنح إسرائيل تمددًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا غير مسبوق برعاية أمريكية وغربية واضحة، فيما يُراد للعرب أن يدفعوا الثمن من هويتهم ومن موقعهم الاستراتيجي ومن مستقبل أجيالهم.

والمستفز حقًا أن بعض القوى الكبرى باتت تتعامل مع الدول التي اختارت الحكمة والدبلوماسية وكأن مواقفها أمر مسلّم به، لا جهدًا سياسيًا وسياديًا يستحق الاحترام.

وسلطنة عُمان، التي لم تكن يومًا دولة استعراضات، بل دفعت لعقود طويلة من رصيدها السياسي والدبلوماسي في سبيل رأب الصدع وفتح أبواب الحوار وتهيئة الأرضية المناسبة للمفاوضات الدولية والإقليمية، إيمانًا منها بأن استقرار المنطقة ليس مصلحة عُمانية فحسب، بل ضرورة تحفظ شعوبها من الفوضى والانهيار والاحتراب.

سلطنة عُمان لم تشعل حربًا، ولم تُصدِّر فوضى، ولم تتاجر بدماء الشعوب، بل كانت في أكثر اللحظات اشتعالًا تُطفئ الحرائق التي أشعلتها سياسات الهيمنة والتصعيد. ولذلك فإن التعامل مع هذا الدور العُماني بلغة التهديد أو الاستعلاء السياسي لا يكشف فقط عن سوء تقدير لدولة ذات سيادة وتاريخ، بل يفضح عقلية نرجسية ترى الاحترام ضعفًا والاتزان قابلًا للابتزاز.

وما يزيد المشهد اضطرابًا تلك النرجسية السياسية التي يتعامل بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع العالم، وكأن القانون الدولي مجرد أداة تُطبّق على الآخرين حين تخدم المصالح الأمريكية، ويُغضّ الطرف عنها حين تتعارض معها. أما الكيان الصهيوني المحتل للأرض الفلسطينية فيبدو في كثير من المواقف والخطابات فوق المساءلة القانونية مهما ارتكب من انتهاكات أو تجاوزات.

فحين شنت الولايات المتحدة حروبًا واعتداءات على دول ذات سيادة تحت ستار "التهديد المحتمل" أو "الخطر الاستباقي"، نصّبت نفسها قاضيًا وجلادًا في آن واحد، دون تفويض أخلاقي حقيقي، ودون احترام لسيادة الدول أو لاستقرار الشعوب.

والمفارقة الساخرة أن المنطق ذاته يفتح باب التساؤل المشروع: إذا كان مجرد "الاشتباه بالنوايا" يمنح واشنطن حق التهديد والتصعيد والتدخل، أفلا يحق لدولة ذات سيادة كسلطنة عُمان، وهي التي اختارت القانون والدبلوماسية لا الفوضى والسلاح، أن تلجأ إلى المحاكم الدولية إزاء أي تصريحات تحمل تهديدًا مباشرًا لسلامتها وسيادتها؟

خصوصًا حين تُدار السياسة بلغة القوة والابتزاز، وكأن العالم مزرعة خاصة لا منظومة دولية يُفترض أن يحكمها القانون.

أي عقلية سياسية هذه التي تسمح لقائد دولة عظمى أن يتحدث عن "تفجير دولة" وكأنها أوراق تفاوض تجارية أو نصًا ساخرًا في مسرحية هزلية؟

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التصريحات العدائية، بل في العقلية التي ترى العالم ساحة ابتزاز، وترى سيادة الدول الصغيرة تفصيلًا قابلًا للتهديد متى تعارض مع المصالح الأمريكية أو المزاج السياسي لرجل يجلس في البيت الأبيض.

والسؤال الذي يهرب منه المرجفون: أين النظرة الاستراتيجية للعالم العربي إن مضى بهذا الطريق؟ هل يعقل أن تصبح إسرائيل بعد كل هذا التاريخ شريكًا طبيعيًا، بينما يُعاد تعريف العدو وفق المزاج الأمريكي؟

يتحدثون كثيرًا عن "الخطر الإقليمي" و"الهيمنة الإيرانية"، لكنهم يتجنبون الحديث عن المسجد الأقصى الشريف، وعن البيت المقدس، وعن الجولان، وعن الحصار، وعن الاستيطان، وعن الجرائم والمجازر التي شهدتها غزة، وعن الإسناد الأمريكي السافر، وعن جيش لا يزال يعربد وكأنه فوق القانون الدولي.

أي منطق هذا الذي يجعل المحتل المجرم حليفًا، والمكلوم متهمًا؟ بل أي عقل سياسي يستطيع أن يبتلع هذه الرواية دون أن يشعر بالقهر والإهانة؟

المنطقة اليوم ليست في حالة حرب كاملة، وليست في حالة سلام حقيقي، إنها منطقة معلقة بين ابتزاز يُدار أمريكيًا، وصمت عربي ثقيل، وتوسع إسرائيلي يجري على مهل.

وأما العرب فكثير منهم يقفون في المدرجات؛ يباركون أحيانًا، ويراقبون أحيانًا أخرى، بينما يُعاد تشكيل الشرق الأوسط فوق الطاولة، لا من أجل الشعوب، بل من أجل تثبيت تفوق إسرائيل لعقود قادمة.

والمؤلم أكثر أن بعضنا لم يعد يسأل: كيف احتُلت الأرض؟ بل أصبح يسأل: كيف نتعايش مع نتائج احتلالها؟ وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ فالأمم لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين يُكوى وعيها حتى ترى المحتل منقذًا، وترى المقاومة عبئًا، وترى الانبطاح "حكمة سياسية".

وعندها لا يعود الخطر في إسرائيل وحدها، بل في العقول الغافلة التي أقنعت نفسها أن القيد يمكن أن يكون شراكة، وأن الاحتلال قد يصبح يومًا وجهة نظر.

لأن أخطر ما يفعله الاحتلال ليس أن يستولي على الأرض فحسب، بل أن يعيد تشكيل الوعي حتى يختلط الحق بالباطل، ويصبح المعتدي ضحية، وصاحب الأرض متهمًا. وحين ينجح في ذلك يصبح تحرير العقول أصعب من تحرير الأوطان؛ فالأرض قد تُستعاد يومًا، أما الوعي إذا أُسر داخل رواية المحتل، فذلك احتلال يمتد أثره عبر الأجيال.

الأكثر قراءة

z