الإنسان العُماني.. رمز الوطن الذي يستحق الحماية

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

كلما ذُكرت الرموز الوطنية اتجهت الأنظار إلى العلم والنشيد الوطني والشعار والعملة، لأنها تجسد سيادة الدولة وتاريخها وهيبتها. غير أن للوطن رمزًا آخر لا يقل قيمة ولا مكانة، وهو الإنسان العُماني الذي يحمل هذه الرموز في قلبه ويمنحها معناها الحقيقي؛ فكرامة المواطن ليست قضية منفصلة عن هيبة الدولة، بل هي امتداد طبيعي لها.

وكلما شعر الإنسان بأن العدالة تحتضنه ازداد تعلقًا بوطنه وإيمانًا بمؤسساته واستعدادًا للدفاع عنها بقناعة ومحبة.

وفي كل مناسبة تؤكد فيها الجهات المختصة أن صون علم الدولة وشعارها وعملتها ونشيدها الوطني واجب وطني يحميه القانون، يتفق الجميع على أن هذه الرموز ليست مجرد ألوان أو كلمات أو أشكال، وإنما هي تعبير عن سيادة الوطن ووحدته وتاريخه وكرامة شعبه.

غير أن سؤالًا مشروعًا يظل حاضرًا في وجدان كثير من المواطنين: من يحمي الإنسان الذي يقف تحت هذا العلم؟ ومن ينصف الشاب الذي انتظر سنوات طويلة على قوائم الباحثين عن عمل حتى تجاوز العمر الذي كان يؤهله لوظيفة حلم بها؟ ومن يجبر خاطر الموظف الذي استيقظ ذات يوم ليجد نفسه خارج دائرة العمل بعد سنوات من الخدمة والعطاء؟

إن احترام رموز الدولة لا ينفصل عن احترام المواطن، لأن الوطن ليس علمًا يرفرف في السماء فحسب، بل هو أيضًا إنسان يحمل ذلك العلم في قلبه ويترجم معناه في حياته. ولذلك فإن حماية كرامة الإنسان العُماني ليست قضية موازية لحماية هيبة الدولة، بل هي وجهها الآخر.

لقد عاش آلاف الباحثين عن عمل سنوات من الانتظار، وهم يتابعون الإعلانات والوعود والمبادرات، مؤمنين بأن دورهم سيأتي، وأن الوطن الذي تعلموا فيه وأنفق عليهم لن يتركهم خارج دائرة الإنتاج. لكن الزمن مضى، وبعضهم تجاوز الحدود العمرية المطلوبة للتوظيف، ليجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة؛ لم يحصل على فرصة عندما كان العمر يسمح، ثم أصبح العمر نفسه سببًا في حرمانه منها.

وأي رسالة يتلقاها الشاب عندما يتحول الانتظار إلى عقوبة غير مكتوبة؟

وكذلك الحال مع من أُنهيت خدماتهم قسرًا. فهؤلاء لم يكونوا أرقامًا في تقارير أو ملفات إدارية، بل كانوا أُسَرًا ومسؤوليات وأحلامًا وقروضًا وأطفالًا ينتظرون نهاية كل شهر. وعندما فقدوا أعمالهم لم يفقدوا راتبًا فقط، بل فقد كثير منهم الشعور بالأمان والاستقرار والثقة بالمستقبل.

ولا يعني الحديث عن هذه القضايا توجيه الإساءة إلى الدولة أو مؤسساتها، بل هو دعوة إلى مراجعة السياسات وتصحيح المسارات، لأن الدول القوية لا تخشى النقد المسؤول، بل تستفيد منه في تطوير أدائها وتعزيز ثقة مواطنيها.

إنَّ العدالة ليست أن نحمي العلم والرموز الوطنية من الإساءة اللفظية فحسب، وإنما أن نحمي أيضًا الإنسان العُماني من الإحباط واليأس والتهميش. فالراية تزداد قيمة عندما يحملها مواطن يشعر أن وطنه أنصفه، وأن القانون يقف معه كما يقف لحماية رموز الدولة.

ومن حق الباحث عن عمل أن يسأل: هل توجد مراجعة حقيقية لسياسات التوظيف التي جعلت سنوات الانتظار تلتهم أعمار الشباب؟

ومن حق من أُنهيت خدمته قسرًا أن يسأل: هل تمت دراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي ترتبت على فقدان مصدر رزقه؟

وهذه الأسئلة ليست خروجًا على النظام، بل ممارسة طبيعية للمواطنة المسؤولة التي تبحث عن الحلول لا عن الخصومات.

والمواطن لا يطلب امتيازًا فوق القانون، ولا ينتظر معاملة استثنائية، وإنما يبحث عن فرصة عادلة، ومسار واضح، وإحساس صادق بأن وطنه يراه ويسمعه ويضع مستقبله ضمن أولوياته. فالعدالة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل شعور يومي يرافق الإنسان في عمله ورزقه وأمن أسرته وثقته بالغد.

والدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مشاريع وبنية أساسية وإنجازات، وإنما أيضًا بقدرتها على احتواء مواطنيها، وخاصة في أوقات الأزمات. فكل فرصة عمل تُمنح لشاب هي استثمار في الأمن والاستقرار والإنتاج، وكل موظف يُعاد تأهيله أو يُدعَم بعد انتهاء خدمته هو رسالة بأن الوطن لا يتخلى عن أبنائه.

وربما آن الأوان لأن تتسع نظرتنا لمعنى الرموز الوطنية؛ فالعلم رمز، والنشيد رمز، والشعار رمز، لكن الإنسان أيضًا رمز. الباحث عن عمل الذي ينتظر بكرامة رمز للصبر، ومن أُنهيت خدمته قسرًا ثم تمسك بالأمل رمز للصمود، والأسرة التي تواجه الغلاء والدَّين والقلق وهي متمسكة بوطنها رمز للوفاء.

ولعل الجهات التي تضطلع بمهمة حماية رموز الدولة وإعمال النصوص القانونية تدرك أن مسؤوليتها لا تقتصر على تطبيق القانون فحسب، بل تمتد إلى حماية النسيج الإنساني العُماني وصون تماسكه. فالحكمة في استعمال السلطة، والاتزان في تقدير المواقف، وسعة الصدر في استقبال الرأي، والجدال بالحسنى، كلها قيم تعزز هيبة الدولة ولا تنتقص منها. فالقانون يزداد احترامًا عندما يقترن بالعدل، وتزداد هيبة المؤسسات عندما يشعر المواطن أنها تنصت إليه كما تحاسبه، وتحميه كما تحمي الوطن.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)؛ فالحكمة ليست ضعفًا، وسعة الصدر ليست تهاونًا، بل هما من أقوى أسباب ترسيخ الثقة وتعزيز اللُّحمة الوطنية واستدامة الاستقرار.

إن أعظم ما يحفظ هيبة الدولة ليس العقوبات التي تُجرِّم الإساءة إلى رموزها فحسب، وإنما أيضًا السياسات التي تجعل كل مواطن يشعر بأن كرامته مصونة، ومستقبله محل اهتمام وعدل. فعندما يشعر المواطن بأنه مسموع ومُنصف سيدافع عن علم بلاده بمحبة، وعن نشيدها بقناعة، وعن مؤسساتها بإيمان، لأن العلاقة بين الوطن وأبنائه لا تُبنى بالخوف، وإنما بالثقة.

وهذا ليس خطاب احتجاج ولا رسالة عتاب، بل دعوة مخلصة تنطلق من الإيمان بأن قوة الأوطان لا تقوم على صلابة القوانين وحدها، بل على الثقة التي تبنيها بين الدولة ومواطنيها. فالباحث عن عمل ومن أُنهيت خدمته قسرًا ليسا ملفين إداريين، بل وجهان من وجوه الوطن يستحقان الإنصاف والرعاية؛ فالعلم يعلو فوق السارية، والشعار يزين الوثائق، والنشيد يصدح في المناسبات، أما الإنسان فهو الرمز الذي يمنح لكل ذلك روحه ومعناه. وإذا صانت الدولة كرامته، وأنصفت تطلعاته، فإنها لا تحمي فردًا بعينه، بل تحمي مستقبل وطنٍ بأكمله.

والإنسان العُماني ليس مجرد مواطن يعيش تحت الراية، بل هو المعنى الذي يمنحها قيمتها، وهو الثقة التي يقوم عليها الوطن، والاستثمار الذي لا يخسر. وإذا صانت الدولة كرامته وأنصفت تطلعاته، فإنها لا تحفظ حق فرد واحد فحسب، بل ترسخ مستقبل وطن يزداد قوةً وتماسكًا بأبنائه.

الأكثر قراءة

z