عقل ثالث

 

ماجد بن علي الهادي

 

"أنت لست أغنى مما تحمله في عقلك، ولا أقوى مما تحمله في قلبك، ولا أنقى مما تخبئه في روحك" جبران خليل جبران.

(1)

عندما ترتبط الكتابة بمواقف وشخصيات الشهرة، فإنها بذلك تدخل غمار مغامرة الثبات من عدمه والرسوخ من نقيضه. يبقى كل ما يعني الشفافية ملطخاً برماد المجاملة والانحياز. ينسى الكاتب أو يتناسى الهدف السامي لروح الكتابة، يجمع شتات الخيال من زيف الرؤى، وينسج معالم الحقيقة من إرهاصات التماهي الخادع. يبذل قصارى جهده لتلميع ما صدأ، ويناكف حقيقة المبدأ من أجل تلوين اسوداد الواقع المرير. ينسحب من معارك اصطدامات المكاشفة من أجل عيون خفاء الازدواجية. تختفي معالم أمانة الاستحقاق لكل من شأنه (إعطاء كل ذي حق حقه) وتحل محلها شواهد (لا ضير للظلم مرة واحدة).

معادلات معرفية تنتحر في أعماق قلب كان يتغذى من الصدق والأمانة. ليس لشيء وإنما لاصطباغ الصور المهتزة، وترقيع ما مزقته الأيام بواقعها المحايد. الواقع الذي لا يرضى بتغيير لون جلدته.. الواقع الذي سيظل الحكم العادل إن حاولت الكفوف المغرضة العبث بميزان الإنصاف. الارتباط الكتابي بالشخصنة المقيتة لا شك ستكون تبعاته ملغمة بقنابل المواقف، طالت المدة أم قصرت، توارت الخطى أم سطعت، بانت الأسماء أم تقنعت. الثبات والرسوخ سيُعلن انتصاره في نهاية المطاف.

(2)

قضى جل عمره وهو يحفر في فنون الكتابة، سخر كل قدراته ومهاراته الكتابية في سبيل وضع الخطوط العريضة لكل معنى هادف، سهر الليالي لارتشاف المعارف والمعلومات المغذية للعقل. ضحى بالوقت والصحة للتأكد من المعلومة وتسكينها في القالب الصحيح لمعناها. كل ذلك كان يفعله بإخلاص وتفانٍ، لا ينتظر من أحد إشادة أو مدح، لا يهتم ولا يكترث لشيء اسمه شهرة. جمهوره هو نفسه.. يصفق له.. يمدحه.. وينتقده. مرت الأيام وهو على حالة (الاعتكاف الأدبي) هذه. فجأة وبلا سابق إنذار يصطدم بمشهور في مجال يناقض مجاله، وفي اختصاص يصطدم باختصاصه، أصبح بين خيارين ومصيرين متناقضين، ولابد له أن يختار أحدهما ويضحي بالآخر.

استقرأ الواقع وتعمق في النتائج والأهداف، ترنحت المفاهيم في عقله، وتأرجحت الرؤى في ذهنه، وتصارعت المبادئ في قلبه. التكيف اقترح عليه افتراشه وامتزاجه، والتماهي أغراه بالسطوع والانبهار. وبعد تردد وبين مد وجزر، قرر التخلي عن اعتكافه ومبادئه، واستخدام مهاراته الكتابية في التلميع والتلوين، في اللف والالتفاف، في الكر الكتابي والخديعة الأدبية. نجح باقتدار، ولكنه خسر اسمه النقي، لمع اسمه المزيف في كل المحافل.

(3)

قال له "من الذكاء استخدام فنون الكتابة لكشف المستور"، وأخبره بأن بمهاراته وأسلوبه يستطيع كسب رضا الآخرين، أكد له بأن الدنيا فرص وهو يستطيع اقتناص فرصة التميز والشهرة الإعلامية. تحمس عقله الباطن، تسلح بتلك الكلمات (المحفزة). حاولت التراكمات محاربة حماسه فامتزجت معها. وبعد الامتزاج أصبح له نقيضين معرفيين يسكنان في لب عقله. صنف العلماء بأن للإنسان عقل واعي ولا واعي، وهو اكتشف بأن له عقل (ثالث) لم يجد له اسم بعد، يكفيه المعنى وخلايا عصبية الاستدلال. استرجع نصائح القائل ووظف كلماته في مكامن التفعيل والتنفيذ. ها هو يتباهى بقدرته على إطاحة وتحطيم قالب الشهرة الإعلامية. ها هو على عتبات أبواب البهرجة الأدبية، حتى وإن لامسها شيء من الزيف والخداع. لا ضير دام الديدن معروف لديه. بين فترة وأخرى يحاول صوت داخلي اغتيال طموحه الخادع، لكن الاندفاع والحماس الكاذب يخرس ذلك الصوت لحد الاختناق.

تخمد نار الثبات ويتحول الرماد إلى ضحكات ساخرة، تلوك المبادئ وتقذفها من فم الواقع. كل شيء أصبح مهيأ لتفجير الشهرة على الأرضية الأدبية بكل فنونها وأنواعها. تباهى به ذكاؤه وزغردت تراكمات عقله في بوتقة الزيف، لكنه غفل عن ماهية الوقت التي لا ترحم، والتي ستترآى في خلايا عصبية عقله الظاهر وتطعنها باستمرار، إلى أن تتآكل من تلقاء نفسها في آخر المطاف.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z