الدبلوماسية الهادئة.. كيف تتحرك عُمان والعراق لمنع اتساع الحرب؟

 

 

 

د. علي موسى الكناني **

في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، لا تُقاس أهمية الدول بما تمتلكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل تتجلى أيضًا في قدرتها على المساهمة في احتواء التوترات ومنع الصراعات من الخروج عن السيطرة. وخلال فترات التصعيد المتكررة بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الدبلوماسية الهادئة والوساطات الإقليمية بوصفهما عاملين مهمين في الحد من التوتر ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع قد تمتد آثارها إلى الأمن والاقتصاد وأسواق الطاقة العالمية.

ومع تصاعد التوترات السياسية والأمنية وتبادل الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين الأطراف المختلفة، واجه الشرق الأوسط احتمالات متعددة تراوحت بين احتواء الأزمات عبر الحوار وبين خطر الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع النطاق. وفي مثل هذه الظروف الحساسة، برزت أهمية الوساطات الإقليمية باعتبارها أداة فاعلة للحفاظ على قنوات الاتصال ومنع انهيار فرص التسوية السياسية.

وكان العراق من أكثر الدول إدراكًا لحساسية هذه التطورات، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي، بل أيضًا بسبب طبيعة علاقاته مع مختلف الأطراف؛ فالعراق يرتبط بشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجمعه بإيران علاقات جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، ما يجعله معنيًا بصورة مباشرة بالحيلولة دون اتساع دائرة التوتر والصراع.

ومنذ بداية الأزمات المتعاقبة في المنطقة، تبنَّت بغداد خطابًا سياسيًا يدعو إلى التهدئة والحوار وتجنب التصعيد، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحروب الشاملة لا تنتج منتصرين بقدر ما تخلّف خسائر جماعية تطال جميع الأطراف. وفي هذا السياق، كثفت اتصالاتها مع دول المنطقة والقوى الدولية، في إطار جهود تهدف إلى خفض التوتر والحفاظ على مسارات التواصل السياسي والدبلوماسي.

ويستند اهتمام العراق بالوساطة إلى خبرة طويلة مع تداعيات الصراعات الإقليمية؛ فصُنَّاع القرار في بغداد يُدركون أن أي مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الوطني العراقي والاستقرار الاقتصادي، كما تؤثر في حركة التجارة والاستثمار وقطاع الطاقة. ومن هنا، سعى العراق خلال السنوات الأخيرة إلى ترسيخ سياسة تقوم على التوازن في العلاقات الإقليمية، وتجنب الاصطفافات الحادة، وتعزيز الحوار بوصفه خيارًا استراتيجيًا لحماية المصالح الوطنية.

كما عمل العراق على تطوير حضوره الدبلوماسي الإقليمي، مستفيدًا من موقعه الجغرافي ومكانته السياسية وعلاقاته المتوازنة مع عدد من الأطراف المتنافسة. وقد أسهم ذلك في تعزيز صورته كطرف قادر على التواصل مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ما أتاح له هامشًا أوسع للتحرك في أوقات الأزمات.

وفي الوقت ذاته، واصلت سلطنة عُمان أداء دورها التقليدي المعروف في مجال الوساطات الإقليمية. فمنذ عقود، تبنت السلطنة سياسة خارجية قائمة على الحياد الإيجابي وعدم الانخراط في الاستقطابات الحادة، وهو ما أكسبها قدرًا كبيرًا من الثقة لدى مختلف الأطراف. وقد جعلها ذلك قناة مهمة للتواصل غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران في العديد من المحطات السياسية السابقة.

وتتمتع سلطنة عُمان بميزة أساسية تتمثل في قدرتها على الحفاظ على علاقات مستقرة ومتوازنة مع مختلف القوى المتنافسة، من دون أن تُصنف ضمن أي محور إقليمي محدد، الأمر الذي عزز قدرتها على أداء أدوار الوساطة ونقل الرسائل وتسهيل فرص التفاهم خلال فترات التوتر.

لقد أظهرت الأزمات الأخيرة أن الدبلوماسية الهادئة أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الإقليمي. فكثير من الأزمات لا تُدار عبر المؤتمرات العلنية أو التصريحات الإعلامية وحدها، وإنما من خلال قنوات اتصال غير معلنة تسهم في تقريب وجهات النظر وإدارة الخلافات وتقليل احتمالات سوء التقدير.

وفي هذا الإطار، ساعدت الوساطات الإقليمية على توفير مساحة زمنية للأطراف لإعادة تقييم مواقفها وحساب كلفة التصعيد ومخاطره. فكلما ارتفع مستوى التوتر، ازدادت الحاجة إلى أطراف تمتلك القدرة على نقل الرسائل وفتح نوافذ للحوار، وهي مهمة تزداد أهمية في ظل تعقيد الصراعات الحديثة وتعدد الفاعلين المؤثرين فيها.

كما كشفت هذه التطورات أن النفوذ في الشرق الأوسط لم يعد مرتبطًا بالقوة العسكرية أو الإمكانات الاقتصادية وحدها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة الدول على أداء أدوار سياسية ودبلوماسية مؤثرة. فالدول التي تنجح في بناء جسور التواصل بين الخصوم باتت تمتلك وزنًا متزايدًا في معادلات الاستقرار الإقليمي.

ومن الناحية الاقتصادية، أسهمت جهود التهدئة في الحد من المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة النفط العالمية. فاستمرار التصعيد أو اتساع نطاق المواجهات كان من شأنه أن يفاقم حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية، وأن ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة والعالم.

كذلك كان من المحتمل أن تؤثر أي مواجهة واسعة على حركة التجارة والاستثمار، وأن تزيد من الضغوط التي تواجهها الاقتصادات الإقليمية، وهو ما جعل خفض التوتر هدفًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا في آن واحد.

أما بالنسبة للعراق، فإن نجاحه في ترسيخ دوره كمساحة للحوار والتقارب الإقليمي يعزز فرص انتقاله من موقع التأثر بالأزمات إلى موقع المساهمة في إدارتها. فكلما تمكن من أداء دور الجسر بين الأطراف المختلفة، ازدادت قدرته على حماية مصالحه الوطنية وتعزيز مكانته الإقليمية.

ورغم استمرار الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران، وبقاء العديد من أسباب التوتر دون معالجة نهائية، فإن التجارب الأخيرة أكدت أهمية وجود قنوات اتصال ووساطات إقليمية قادرة على التدخل في اللحظات الحرجة. كما أظهرت أن الأدوات العسكرية وحدها لا تكفي لإدارة الأزمات المعقدة، وأن الدبلوماسية تظل الوسيلة الأكثر فاعلية في دعم الاستقرار وتقليل احتمالات التصعيد.

وفي المحصلة، تؤكد التجارب الإقليمية الحديثة أهمية الأدوار التي تؤديها الدول القادرة على بناء الثقة وتسهيل الحوار بين الأطراف المتنافسة. وفي هذا السياق، يبرز كل من العراق وسلطنة عُمان كنموذجين لدبلوماسية تسعى إلى تقريب وجهات النظر والحفاظ على قنوات التواصل في أوقات الأزمات. وفي منطقة ما تزال تواجه تحديات متكررة، تبدو الدبلوماسية الهادئة اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط كأداة لإدارة الأزمات، بل كخيار استراتيجي يسهم في حماية الأمن والاستقرار الإقليميين.

** كاتب عراقي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z