حمد الحضرمي **
في زمنٍ تتعالى فيه أصوات الصراع، وتشتد فيه نُذر المواجهة وبداية حرب بين طرفين، يبرز الفارق جليًا بين من يقود الأحداث بعقله، ومن ينجرف خلف انفعالاته؛ فالمشهد الراهن الذي تعيشه المنطقة، في ظل التوترات الواقعة والحرب القائمة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، وما يُشاع عن صراع تقوده وتشعله أطراف متعددة، يكشف عن حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن الحكمة ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة.
لقد اختارت سلطنة عُمان -كما عهدها الجميع- أن تكون صوت العقل في زمن الضجيج، وأن تقف على مسافة واحدة من الجميع، لا انحيازًا لطرف ضد آخر؛ بل انحيازًا للسلام والاستقرار، وهو الموقف الذي لطالما اتسمت به سياستها الخارجية عبر عقود طويلة. وبينما تتسابق بعض الأصوات إلى تأجيج الصراع، وتغذية نيران الحرب، تعمل عُمان بصمتٍ واتزان لاحتواء الأزمة، والدفع نحو الحوار كخيار وحيد لإنهاء الخلافات.
ولعل ما نشهده اليوم من بوادر انفتاح في قنوات الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتصريحات عن بدء محادثات تهدف إلى تهدئة الأوضاع ووقف استهداف منشآت الطاقة، ليس إلّا انعكاسًا لنهجٍ طالما دعت إليه سلطنة عُمان: أن لا سبيل للاستقرار إلا عبر التفاهم، ولا طريق للأمن إلا بالحوار.
إن من يتهم عُمان بالوقوف مع هذا الطرف أو ذاك، إنما يقرأ الأحداث بعينٍ واحدة، ويغفل عن حقيقة جوهرية، وهي أن عُمان لا تقف مع أطراف، بل تقف مع مبادئ. تقف مع حق الشعوب في الأمن، ومع ضرورة تجنب الحروب التي لا تُبقي ولا تذر، خاصة في منطقة الخليج التي ستكون أول المتضررين من أي تصعيد عسكري، بحكم موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها الاقتصادية.
إن الدعوة إلى الحرب والدمار وقتل الناس والإضرار بمصالحهم، أو التلويح بها دون حساب الخسائر في الأرواح والممتلكات، ليست دليل قوة، بل هي قصور في الرؤية، وضيق في الأفق. أما الدعوة إلى الحوار، فهي شجاعة تحتاج إلى عقلٍ راجح، ونظرة بعيدة المدى. ومن هنا، فإن ما تقوم به سلطنة عُمان وغيرها من الدول ليس مجرد موقف سياسي، بل هو رسالة حضارية تؤكد أن السلام خيار الأقوياء، وأن من يملك القدرة على التهدئة، يملك مفاتيح المستقبل.
ولأولئك الذين يهاجمون هذا النهج، ويستكثرون على عُمان حكمتها، نقول: موتوا بغيظكم؛ فالتاريخ لا يخلد أصوات الضجيج؛ بل يكتب بأحرفٍ من نور مواقف العقلاء. وسيأتي يوم يدرك فيه الجميع أن من سعى لإطفاء النار، كان أصدق وطنيةً وأعمق رؤيةً ممن حاول إشعالها.
إنَّ المنطقة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تنجرف نحو هاوية صراعٍ لا نهاية له، أو أن تعود إلى طاولة الحوار؛ حيث تُحل الخلافات بالكلمة لا بالصاروخ. وقد اختارت عُمان طريقها منذ البداية… طريق السلام.
وما بين ضجيج التصعيد وصمت الحكمة، تبقى الحقيقة واضحة: أن من يرى أبعد وبحكمة، هو من ينتصر في النهاية.
** محامٍ
