ماجد بن علي الهادي
الضجيج ذلك الصوت غير المرغوب فيه، المتجاوز الحد المقبول، المسبّب للإزعاج والتوتر، ليس سوى موجة مائية. أما أن تصب مياهها في جداول مائية وتستمر في ديمومتها، أو تتبخر إن لم يبلعها بحر الضياع ولن يُستفاد منها.
هذا إذا كان ملموسًا بمعناه الحسي، لكنه إذا كان معنويًا بمعناه المحسوس، فإنه سيتحول إلى تفاعل مع الأحاسيس والمشاعر، سيتحول إلى اصطدام معنوي مع كل ما هو مدرك. ستكون كل المدركات على ناصية الاستنفار، والردود الفعلية على عتبات التوجس والتوتر. الفكرة.. هل يستطيع الإنسان توظيف الضجيج إلى إيجابية الحضور؟ وهل الواقع يسمح بالحضور القوي؟ للإجابة على هذه التساؤلات يجب على المرء أن يشحذ همة تفكيره ويبوئها في مصفوفة الامتزاج المعرفي. وهذا لن يتحقق ولن تتأتى منظومته إلا بالاستخدام الذكي لكل الوسائل المتاحة لتفعيل المدركات النافذة. هذه المدركات بمثابة الشريان الذي يتدفق من خلاله كل المخزونات المعرفية والمعلوماتية، ليتحول اللامرغوب إلى مقبول والمزعج إلى مستفز إيجابي.
الصوت المحسوس يتلون وفق الهالة النفسية المحيطة بالجسد البشري، الصوت المحسوس يتجاوب ويتناغم مع كل ما حوله من تفاعلات مخفية: البشر.. الجمادات.. وغيرها من المخلوقات التي لا يعلمها سوى الخالق سبحانه. التوظيف الحقيقي للضجيج يكمن في فهم ما وراء السطور والكواليس، التميز الإبداعي للفكر النير يتمثل في كيفية التعامل مع كل ما هو مخفي، التجانس المعنوي يتجسد في القدرة على امتطاء الصوت بالروح الملهمة، وبالفطرة الغريزية التي صنعها الخالق في مسارات الخلايا العصبية.
هذا العالم العميق من العلم والمعرفة، هذا البحر الواسع من التمازج والتنافر في ذات الوقت حول ما يفكر به العقل وما يدحضه، بين الامتدادات الشاسعة في عالم الخيال وواقع الإدراك. الضجيج بمطيته الذبذبية يتحول من إزعاج وتوتر إلى إلهام وتجانس، من اختناق حسي إلى انبلاج روحي مفعم بالحيوية. فتتمارى دوائر معرفية وتتشابك مع المحيط الهلامي بإبداعات وارتجالات لم تكن تخطر على البال والحسبان.
التوظيف للأمور التي تراها بعض العقول والنفوس (سلبية) تجدها أخرى (إيجابية) ومحفزة، توظيفها هو من يحكم عليها، والنظرة العميقة هي من يحكمها، حسب التراكمات المنبثقة من معمعة أحداث الطفل الساكن في كل منا. هذا الطفل (الكبير) الذي يقضّ علينا مضاجعنا كل وقت وحين، ويتنامى مع كل أقوالنا وأفعالنا. يهمس لنا في الضجيج ويزعجنا في الهدوء والسكون. مطيته تحمل أفكارنا، وأفكارنا تمتطيه بسلاسة واندفاع.
منظومة مترامية فوق الهامات الخفية، تلك التي يعجز الإنسان أن يدركها بعقله (الناقص) ومفهومه الضئيل. تلك التي تستمرئ بها الهواجس وتقحمها في زوابع لا طائل منها سوى الشك والريبة. نعم، بإمكاننا تحويل غير المرغوب إلى ثبات وسط الإعصار، ورسوخ فوق صمود الثبات. الضجيج بمطيته المعرفية يفتح منافذ الخلايا العصبية المسؤولة عن الإدراك والتمييز، فترنو من كل المسافات إلى ما هو مرتكز في العقل الباطن.
سينخدع في البداية العقل الظاهر لكنه سيستدعي البرهان من إحدى المصفوفات الذهنية، وسيوظفها هو أيضًا لتتماشى وتتساير مع الهدف المنشود. الهدف الذي سيبقى مرتهنًا بمدى التكيف والتعايش والامتزاج مع الضجيج. العالم المخفي الذي تتضبب معالمه حسب إمكانيات العقل وقدراته ومهاراته. لا شك بأن السلب وارد والفقدان متوقع، السلب الصحي والفقدان النفسي، حيث لكل اجتهاد ضريبة ولكل تحدٍ تضحية. دوافع تعارفت عليها معادلات الحياة، ومفاهيم سطرتها الأيام بحبر من ذهب على جبين الزمن والأحداث. ولن تتغير هذه المفاهيم والمعادلات ما دامت الحياة تنبض من قلب الزمن.
ميزان الحياة وإن غطاه غبار المواقف والأحداث لكنه سيبقى صاحب الكلمة الأخيرة، والرأي الناجع. ستنفر بعض العقول من بهرجة الضجيج، هو استثناء وحيد وتوظيف للضجيج من نوع آخر. الاستثناء هذا يتقولب بعنصر المفاجأة، عنصر المداهمة لنشاط المعرفة، سيما إن كانت القاعة مليئة بضجيج (الجهل المعرفي)، يجيء توظيف الضجيج هنا بحس اللامتوقع. كون الصامت في قعقعة الضجيج هو الأفهم والأذكى، فضّل توفير طاقة اللغو بالمفهومية المفاجئة وكتب في السطر الأخير من رواية الضجيج: بأن ليس كل من يُحدث ضجيجًا فاهمًا، كما ليس كل من يصمت جاهلًا.
لا تحكمن على شيء وعقلك يجهله، فتقع في براثن الإحراج وأنت تعلمه. الضجيج نقطة محورية في انعكاسات الردود الفعلية، ومفصل أساسي في توجيه المسار العقلي والنفسي في ذات الوقت. فقط على الإنسان إدراك الجانب المشرق لكل ما هو قاتم.
