خالد بن سالم الغساني
أصبحت المواجهة مع إيران واقعًا عسكريًا مفتوحًا تتشكل ملامحه أمام العالم. ومع ذلك، فإن فهم هذه اللحظة لا يبدأ من الحرب نفسها، بل من الطريقة التي جرى بها تقديم إيران كقضية دائمة الاستدعاء في الخطاب السياسي الغربي والإسرائيلي.
منذ سنوات، لم تكن إيران تُطرَح بوصفها دولة تختلف سياسيًا مع واشنطن أو تل أبيب فحسب؛ بل بوصفها عقدة مركزية في معادلة إقليمية معقدة. شبكة نفوذها التي امتدت عبر العراق وسوريا ولبنان، وحضورها في ملفات فلسطين واليمن، جعلت منها لاعبًا قادرًا على التأثير في توازنات المنطقة، لا طرف ضمنها.
غير أن هذه الشبكة لم تبقَ على حالها؛ فالتغيرات التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها سقوط النظام السوري، لم تُنهِ الدور الإيراني، لكنها أعادت تشكيله، ودفعت به من موقع التمدد إلى موقع الدفاع عن ما تبقى من أدوات التأثير. ومع ذلك، ظل اسم إيران حاضرًا في صدارة التهديدات، وكأن التحولات لم تمس جوهر الرواية.
في هذا السياق، عملت إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، على تثبيت سردية واحدة في الوعي الدولي، تتجدد في الشكل وتبقى ثابتة في الجوهر؛ وهي أن إيران خطر جسيم وشيك.
في مرحلة أولى، كان العنوان هو البرنامج النووي. إيران على مسافة قصيرة من القنبلة، والوقت ينفد. تكررت هذه العبارة لسنوات طويلة، حتى فقدت طابعها الزمني، لكنها لم تفقد وظيفتها. لم تكن المشكلة في دقة التقدير بقدر ما كانت في قابلية الرواية للاستدعاء في كل لحظة توتر.
ومع تراجع فاعلية هذا الخطاب بوصفه مبررًا كافيًا، لم تختفِ الرواية، بل توسعت. لم يعد الحديث محصورًا في التخصيب واليورانيوم، بل امتد إلى أمن الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، وحماية الحلفاء، ومنع الفوضى الإقليمية.
اليوم، ومع اتساع نطاق المواجهة، لم تعد هذه العناوين مجرد خطاب سياسي، بل تحولت إلى ساحات فعلية للصراع. مضيق هرمز لم يعد احتمالًا للتهديد، بل أصبح جزءًا من معادلة الاشتباك. منشآت الطاقة لم تعد خلفية اقتصادية، بل أهدافًا مباشرة في المعركة. وأسواق النفط والغاز لم تعد متأثرة بالحرب، بل جزءًا من أدواتها.
وفيما كانت الوساطة العُمانية تمضي بمنهجها الهادئ نحو تضييق فجوات الملف وفتح أفق لتسوية ممكنة، جاء التصعيد في لحظة الاقتراب من الحسم، بما يوحي أن إنهاء الأزمة لم يكن هو الخيار المريح لدى واشنطن وتل أبيب، وأن قرار المواجهة سبق اكتمال مسار الحل.
هنا تتضح البنية الحقيقية لكل هذا الخطاب؛ فالانتقال من “الخطر النووي” إلى “خطر الملاحة” إلى “خطر الطاقة” لم يكن تحوّلًا في فهم التهديد، بل تحوّلًا في طريقة تقديمه. العنوان يتغير، لكن المقصود يبقى واحدًا.
المقصود هو كسر القدرة الإيرانية على التأثير في الإقليم.
إيران ليست مستهدفة فقط بسبب برنامجها النووي، ولا بسبب سلوكها الإقليمي بمعناه الضيق، بل لأنها تمثل واحدة من آخر القوى الإقليمية التي ما زالت تملك القدرة على تعطيل الترتيب الذي يُراد فرضه في الشرق الأوسط.
هذا الترتيب يقوم على معادلة واضحة، وهي شرق أوسط منخفض الكلفة الأمنية بالنسبة لإسرائيل، ومنضبط استراتيجيًا وفق المصالح الأمريكية، وخالٍ من أي قوة قادرة على فرض توازن ردع حقيقي.
ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري تفكيك أي قدرة يمكن أن تفرض كلفة، من مثل: قدرة صاروخية، موقع جغرافي يتحكم بالممرات الحيوية، أو شبكة نفوذ إقليمية تمتد عبر أكثر من ساحة.
لهذا، تبدو الروايات متغيرة، بينما الهدف ثابت؛ النووي يُستدعى حين يكون التخويف الدولي هو المدخل، والملاحة تُستدعى حين يراد تدويل الصراع، والطاقة تُستدعى حين يصبح الاقتصاد هو ساحة الضغط، وحماية الحلفاء تُستدعى حين يراد تقديم الحرب بوصفها دفاعًا.
لكن في كل مرة، يبقى السؤال نفسه قائمًا: لماذا إيران؟
والإجابة لا تكمن في لحظة واحدة، ولا في ملف واحد، بل في موقع إيران داخل هذه المعادلة كلها؛ فهي- رغم ما أصاب نفوذها من تراجع أو إعادة تشكيل- ما زالت تمثل في حسابات هذا المشروع العقبة الأهم: قوة قادرة على الإرباك، وعلى تأخير اكتمال الترتيب، وعلى فرض كلفة لا يمكن تجاهلها.
ومن هنا، لا تبدو الحرب الحالية، سوى امتدادًا لمسار طويل، تغيّرت فيه الأدوات والعناوين، لكن بقي فيه الهدف واحدًا.
إيران… لأنها لم تخرج بعد من المعادلة!
