خالد بن سالم الغساني
وسط التحولات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، يظل النهج العُماني في السياسة الخارجية متكئًا على قاعدة راسخة من الثبات والاتزان، وهو نهج أكد معالمه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في حديثه الأخير، حين شدد على أن سلطنة عُمان لم تُغيِّر موقفها، وأنها تواصل العمل من أجل وقف الحرب والعودة إلى مسار الدبلوماسية.
ذلك يعني أن هذا الثبات لم يكن موقفًا ظرفيًا، بقدر ما هو امتداد لسياسة واضحة ترفض الانخراط في الحروب التي تفتقر إلى الشرعية؛ فالموقف العُماني يؤكد أن السلطنة رفضت تقديم أي مستوى من مستويات الدعم الذي يمكن أن يسهم في هذه الحرب أو في أي حرب أخرى، وأن أي تسهيلات قد تقدمها عُمان لا تكون إلّا لأغراض دفاعية وبما يستند إلى شرعية دولية صريحة صادرة عن مجلس الأمن. وهو موقف لا يقوم فقط على تقدير سياسي؛ بل يستند كذلك إلى اعتبارات قانونية ومبدئية راسخة، أهمها ما نصت عليه المادة (13) من النظام الأساسي للدولة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه سلطنة عُمان هذا الموقف المبدئي، فإنها لا تتخلى عن تضامنها مع محيطها العربي والإقليمي؛ فقد شددت على تضامنها مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومع الأردن والعراق ولبنان، في مواجهة ما تعرضت له هذه الدول من انتهاكات لسيادتها واعتداءات على أراضيها ومنشآتها وبناها الأساسية، مع إدانة واضحة لكل عمليات الاستهداف التي طالت هذه الدول.
غير أن الرؤية العُمانية لما يجري في المنطقة تذهب إلى ما هو أبعد من المواقف المباشرة؛ إذ ترى أن ما تواجهه دول الخليج والمنطقة من تداعيات يرتبط بالحرب على إيران، وهي حرب اعتبرتها السلطنة غير مشروعة، وأن استمرار الأعمال العدائية يبقي الدول التي أشعلت هذه الحرب في حالة خرق للقانون الدولي. وهو موقف أعلنت عنه عُمان بوضوح أمام دول الخليج وأمام المجتمع الدولي.
وفي التعامل مع الانتهاكات التي طالت سيادة السلطنة، ظل النهج العُماني قائمًا على المسؤولية والاتزان؛ حيث تم التعامل معها بدرجة محسوبة من الرد، بما ينسجم مع الالتزام المشترك بخفض التصعيد والسعي إلى الحلول السلمية للنزاعات والتمسك بأحكام القانون الدولي.
كما تكشف القراءة العُمانية لخلفيات الحرب أن قرارها لا يرتبط في جوهره بالملف النووي الإيراني، خاصة أن المفاوضات الأخيرة كانت قد وصلت إلى مراحل متقدمة، تضمنت تعهدًا إيرانيًا بعدم امتلاك مواد نووية يمكن أن تنتج قنبلة، والالتزام بعدم تراكم المواد المخصبة أو تخزينها، وتحويل المخزون القائم إلى وقود لا يمكن إعادته إلى حالته السابقة. وفي هذا السياق، تؤكد الرؤية العُمانية إلى أن الولايات المتحدة لم تكن لتحصل عبر الحرب على تنازلات أكبر من تلك التي تحققت بالفعل عبر التفاوض.
ومن هنا ترى السلطنة أن الهدف الفعلي للحرب يتجاوز الملف النووي ليشمل إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع في سياق أوسع يتصل بمحاولات منع قيام الدولة الفلسطينية، وإضعاف الدول أو المؤسسات التي تقف إلى جانب مشروع قيام هذه الدولة أو تؤيده. وفي هذا الإطار جاء الموقف العُماني واضحًا ولا لبس فيه، برفض الانضمام إلى ما يسمى بـ«مجلس السلام»، والتأكيد على أن السلطنة لن تطبع مع إسرائيل.
كما اعتبرت السلطنة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران حلقة جديدة في سلسلة خطيرة من الانتهاكات التي شهدتها السنوات الأخيرة، وهي انتهاكات تهدد بإلحاق ضرر بالغ بالإطار القانوني الدولي الذي وفر الحماية والاستقرار لدول المنطقة لعقود طويلة.
وفي تقديرها للمشهد الإقليمي، ترى سلطنة عُمان أن هناك مخططًا يستهدف المنطقة، وأن إيران ليست الهدف الوحيد فيه، رغم أن بعض الأطراف الإقليمية تدرك ذلك لكنها تراهن على أن مسايرة الولايات المتحدة قد تدفعها إلى تعديل قراراتها وتوجهاتها.
وفي مقابل ذلك، أشادت سلطنة عُمان باتزان مواقف دول مجلس التعاون الخليجي التي ساهمت في قطع دائرة التصعيد، مؤكدة أن دول الخليج ما زالت متمسكة بالقانون الدولي حتى عندما يتخلى عنه الآخرون.
أما على صعيد الجهود المبذولة لاحتواء الأزمة، فإن السلطنة ما زالت تسعى إلى وقف الحرب وتهيئة السبل للعودة إلى الدبلوماسية، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار الصراع لا يخدم المصالح الحيوية لعُمان ولا لمحيطها الإقليمي؛ بل قد يضر حتى بالمصالح الأمريكية نفسها. كما حذرت من أن الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن استمرار الحرب من خلال ارتفاع أسعار النفط وتزايد الاضطراب في سلاسل التوريد.
ورغم ترجيح توقف الحرب قريبًا، فإن الاستعداد لأسوأ الاحتمالات يظل ضرورة، وهو ما يقود أيضًا إلى الدعوة لإعادة النظر في الفلسفة الدفاعية الخليجية، في ظل النقاش المتزايد حول فاعلية بعض الترتيبات الأمنية المعمول بها في المنطقة.
وفي خضم هذه المرحلة الحساسة، يبرز دور الإعلام العُماني بوصفه أحد مصادر قوة السياسة العُمانية، بخطابه المتزن الذي يستمد توازنه من قيم المجتمع العُماني وتاريخه وأصالته.
كما تؤكد السلطنة أنها تسخر إمكانياتها لخدمة دول الجوار، خصوصًا في الجوانب اللوجستية، وأنها رغم محدودية الطاقة المتاحة ستبقى سندًا لأشقائها في دول مجلس التعاون.
إنَّ مجمل هذه المواقف يعكس نهجًا عُمانيًا ثابتًا يقوم على احترام القانون الدولي، وتغليب الدبلوماسية، والحرص على استقرار المنطقة. وهو نهج يبرهن مرة أخرى أن السياسة التي تبنى على الحكمة والاتزان قادرة على أن تحافظ على صدقيتها وقوتها حتى في أكثر اللحظات اضطرابًا.
