بوصلة الاقتصاد (3-3)

 

 

 

 

ناجي بن جمعة بن سالم البلوشي

عندها يبدأ الاقتصاد في التردد، هذا التردد لا يظهر في رقم واحد. فتراه يظهر في مستثمر لا يمكنه تكملة القرار الذي اتخذه، وفي مصنع لم يُبنَ، وفي شركة لم تتوسع وفي مشروع تطوير عقاري لم ينفذ وفي شاب لم يجد الخيارات للوظيفة التي كان يمكن أن يوجدها السوق القوي له، وفي رأس مال غادر إلى مكان أكثر وضوحًا.

هذه الخسائر لا تُرى بسهولة، لأنها خسائر لما لم يحدث. وهنا قد يكون من الخطأ أن نسأل فقط: لماذا لا ينمو الاقتصاد؟ بل وربما السؤال الأدق هو: ما الذي يجعل النمو يتردد في القدوم؟

هناك اقتصادات لا تُعاني من الفقر بقدر ما تُعاني من ضعف القدرة على تحويل ما لديها إلى قيمة. موارد موجودة، ولكن الإنتاجية محدودة. رأس مال موجود، ولكن الاستثمار متردد. شباب موجود، ولكن المهارات لا تتطابق مع حاجات السوق. إنفاق حكومي موجود، ولكن أثره في الطاقة الإنتاجية ضعيف. خطط موجودة، ولكن التنفيذ لا يوازي الطموح. وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة بالضرورة في حجم الموارد، بل في طريقة تخصيصها. وهذه من أكثر النقاط التي ينبغي أن يحتفظ بها صانع القرار أمام عينيه؛ فليس كل إنفاق نموًا. وليس كل مشروع استثمارًا بالمعنى الاقتصادي. وليس كل وظيفة إضافة حقيقية إلى الإنتاج. وليس كل حماية للصناعة بناءً لصناعة قادرة على المنافسة. قد ننفق أكثر ولا ننتج أكثر.

وقد نخلق وظائف دون أن ترتفع إنتاجية الاقتصاد. وقد نحمي شركة سنوات طويلة، ثم نكتشف أنها لم تصبح أقوى؛ بل أصبحت أكثر اعتمادًا على الحماية. ولهذا، فإن السؤال الصحيح عن المال العام ليس: كم أنفقنا؟ بل: ماذا اشترينا بهذا الإنفاق للمستقبل؟

هل اشترينا إنتاجية؟ هل اشترينا معرفة؟ هل اشترينا بنية أساسية تفتح أسواقًا وصناعات واستثمارات جديدة؟ هل رفعنا مهارات الناس؟ هل خلقنا قطاعًا قادرًا على المنافسة؟ أم أننا اشترينا فقط قدرًا من الهدوء المؤقت؟

ومنها يتضح الفرق بين إدارة الاقتصاد وبين بناء الاقتصاد. فإدارة الاقتصاد قد تعني أن نمنع المشكلة من التفاقم. أما بناء الاقتصاد فيعني أن نجعل المشكلة أقل احتمالًا في المستقبل. كما إن الدولة التي تبقى سنوات طويلة في إدارة الأزمات قد تنجح في إبقاء الاقتصاد واقفًا، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على السير.

وهنا ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام صانع القرار: أن يوازن بين ما يحتاجه الحاضر وما يتطلبه المستقبل. ولأنَّ الحاضر له صوته العالي فالمواطن يريد تخفيف العبء الآن. والشركة تريد الحماية الآن. والقطاع يريد الدعم الآن. والوزارة تريد نتيجة سياساتها وقرارتها تظهر في تقرير هذا العام.

أما المستقبل، فصوته هادئ. إنه يقول: ماذا سيحدث للإنتاجية بعد 10 سنوات؟ كيف سنوفر الوظائف للأجيال القادمة؟ ما الذي سيصنعه اقتصادنا عندما تتغير التكنولوجيا؟ هل ستكون شركاتنا قادرة على المنافسة عالمياً دون تدخل حكومي؟ هل ستبقى المالية العامة قادرة على تمويل احتياجات الدولة من مصادر تنويع الدخل؟ هل سيكون التعليم الذي نُقدمه اليوم قادرًا على خدمة اقتصاد الغد؟ وهذه الأسئلة الهادئة هي التي تصنع في النهاية الفارق بين دولة تدير حاضرها ودولة تبني مستقبلها.

لهذا ليس مطلوبًا من الدولة أن تنسحب من الاقتصاد، كما أنه ليس مطلوبًا منها أن تدير كل تفاصيله. المطلوب أن تعرف حدود دورها، وأن تضع القواعد حيث تكون القواعد ضرورية، وأن تضمن المنافسة حيث تستطيع المنافسة أن تحسن الكفاءة، وأن تتدخل حيث يفشل السوق أو حيث تكون هناك منفعة عامة لا يستطيع السوق وحده توفيرها، وأن تتراجع حين يصبح تدخلها عائقًا أمام النشاط الذي تريد تشجيعه.

إنها مسألة كفاءة؛ فالدولة القوية ليست الدولة التي تفعل كل شيء؛ بل الدولة التي تعرف ما الذي يجب عليها أن تفعله، وما الذي يجب ألا تفعله! وهذا التمييز البسيط قد يوفر على الاقتصادات سنوات من التجربة المكلفة.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي الأهم هو: هل لدينا رؤية اقتصادية متماسكة أصلًا، خاصة إذا كانت السياسات كما ينتقل المسافر بين الطرق دون أن يكون قد حدَّد وجهته. وقد نقطع مسافات طويلة، وقد ننفق كثيرًا، وقد نُعلن نجاحات كثيرة.. لكننا، بعد كل ذلك، قد نكتشف أننا لم نقترب من المكان الذي أردناه. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن يتأملها كل صاحب قرار: قد لا يكون اقتصادنا عاجزًا عن النهوض، وقد يكون فقط ينتظر من يُحدد له- بوضوح- إلى أين ينبغي أن يذهب؛ كاقتصاد يبحث عن بوصلته، ليصنع الفارق بين اقتصاد يعيش على المعالجات واقتصاد يبني قدرته على الاستقلال.

الأكثر قراءة

z